تاريخٌ عربيٌّ يُكتبُ بالعار.. منابر خرساء وخرائط تُرسم بالدماء والدمار

أيُّ تاريخٍ سيتغافل عن هذا الهوان؟ أيُّ سجلّ قادر على محو حقيقة أنّ منظومات الحكم العربية، ومعها جوقاتٌ من نخبٍ مُترفة، تركت أطفالًا يموتون قصفاً وجوعاً في غزة من دون أن ترتجف لها جفون؟ 

لسنا أمام تعقيدٍ دبلوماسي ولا حساباتٍ دقيقة، بل أمام منهج إذعانٍ مُحكم: هزيمةٌ تُشحَّم وتُباع على أنها «حكمة»، وصمتٌ يُسوَّق كـ«واقعية»، ودمٌ يُمسَح بحفلة علاقات عامّة.

وبينما انتفضت مدن العالم ضدّ إبادة غزّة، اكتفت منابر العرب بنصف بيانٍ ونصف تنهيدة، وتركت لجنوب إفريقيا، لا لعاصمةٍ عربية واحدة، شرف طرق أبواب القضاء الدولي طلباً لرأس المجرم بنيامين نتنياهو.

على اتّساع هذا المشهد، يتبدّى العُري. فالعالم النامي عربيًّا يمرّ بأخطر منعطفاته تحت شهيةٍ كونيةٍ مفترسة للثروات والممرّات. فما كان الاحتلال يهمس به صار يعلنه جهارًا: مشروع ابتلاع فلسطين بالكامل وتدشين «إسرائيل الكبرى» البلا حدود.

هكذا تُرسَم الخرائط الجديدة بالدم والدمار. لكن فوقها ينساب طلاءٌ سكّريّ من وعودٍ معسولة تُخفي خططًا تقسيميّة. إنّه الفخّ نفسه بعد الحرب العالمية الأولى. يومذاك قاتل العرب على وعد الاستقلال، فاستيقظوا على انتدابٍ ونهبٍ واحتلال منظّم.

من هذا المنطلق، لا يمكن قياس الموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي بعدد الأختام على المعاهدات، بل بميزان العدالة والكرامة العامة. فهل كان العرب بحاجةٍ إلى وخزةٍ سياسية تُخرجهم من صورةٍ ورديّة لشرق أوسطٍ مزعوم السلام والازدهار؟ أم إلى صدمةٍ تُحطم خمول العقل السياسي بعدما أَلِف المأساة الفلسطينية وتبلّد حسّه أمام حملةٍ إسرائيلية لإبادة الغزّيين قتلاً وتجويعًا وتعطيشًا وتدميرًا منهجيًا لمقوّمات الحياة؟

***

ما يجري في غزّة تمرينٌ افتتاحي لما هو آتٍ؛ فإسرائيل تريد المنطقة كلّها. هي تريد فلسطين وما وراءها وما هو أمامها وفوقها وتحتها.

وقد ظلّ سؤال «ماذا تريد إسرائيل؟» مُعلّقًا عمدًا، بوهم الجنّة الاقتصادية وفردوس «الشرق الأوسط الجديد». كان نتنياهو يستعرض خرائط ويُطلق وعودًا، متعمّدًا إخفاء الحمولات التوراتية لخطابه وتركها لألسنة اليمين المتطرّف حتى يبدو «معتدلًا». أخيراً، لم يعُد بحاجةٍ إلى الاحتماء وراء بن غفير وسموتريتش. فخرج من «تقيّته» السياسية وصرّح بإيمانه بـ«إسرائيل الكبرى» بوصفها «مهمّة تاريخية وروحية»، متبنّيًا رسميًا تيار «الصهيونية الدينية» الذي يرى إسرائيل وعدًا توراتيًا على «أرض الميعاد».

***

نشأت «إسرائيل الصغرى» في سياقٍ استعماريّ بريطاني عنوانه وعد بلفور، وترافقت مع أسطرةٍ دينية وُظّفت لخدمة دولةٍ كان يقف وراءها يهودٌ لا صلة لمعظمهم بالدين. بعد هزيمة العام 1967 واحتلال القدس والضفة وغزّة والجولان، تبلور مفهوم «إسرائيل الكبرى» ثم نما حتى خرج صريحًا على لسان نتنياهو. وتشير خرائط منسوبة إلى اليمين الإسرائيلي إلى كيانٍ يمتدّ على كلّ فلسطين والأردن وأجزاء واسعة من سوريا ولبنان والعراق ومصر والسعودية والكويت.

***

على مدى أربعة عقود سُوِّقت حزمة اتفاقات بوصفها «سلامًا» عربيًا – إسرائيليًا: من كامب ديفيد إلى وادي عربة وصولًا إلى «الاتفاقيات الإبراهيمية». رُصّعت الرفوف بوعود التكامل الاقتصادي ومشاريع النقل والطاقة وشرقٍ يتجاوز الماضي. لكن حرب غزّة مزّقت قناع البلاغة وأظهرت أنّ ما سُمّي «تطبيعًا» لم يكن يومًا حالةً طبيعية بين شعوبٍ تحتفظ بذاكرةٍ لا تُمحى وشاهدٍ يوميٍّ على احتلالٍ وإبادة ممنهجَين.

وهنا ينبغي التفريق بين وقف القتال وبين مشروع يُعاد فيه تشكيل المنطقة على مقاس الهيمنة الإسرائيلية. فالمعاهدات الأولى أغلقت جبهاتٍ عسكرية، ولم تتحوّل قبولًا شعبيًا وثقافيًا واسعًا. أمّا موجة الـ 2020 فاستهدفت إعادة تعريف السلام كحزمة تعاونٍ ممتدة تتجاوز الحدود إلى سلاسل الإمداد والمجالات الرقمية والمالية، مع فصل المسألة الفلسطينية عن محيطها العربي. خلف هذه اللغة ثلاثة أهداف واضحة: تصفية القضية الفلسطينية؛ تلميع التفوّق الإسرائيلي كأنه شراكة؛ وقطع الجسور الأخلاقية والعاطفية بين العرب والفلسطينيين.

***

ببساطة، توقّف زخم التوسّع، فمع كيانٍ يُدير ظهره لعشرات القرارات الدولية الملزِمة، لا يكون «التطبيع» جسرًا للسلام بل يُصبح غطاءً سياسيًا لسلوكٍ خارج القانون.

لم تلتحق دول جديدة بمسار التطبيع، والأنظار إلى عواصم عربية تُطالَب بإبقاء الأبواب مواربة. في المقابل، تصاعدت موجات تضامنٍ عالمية غير مسبوقة منذ حرب فيتنام ومناهضة الأبارتهايد في جنوب إفريقيا. تعاظم الحرج السياسي لمن يواصل علاقته بتل أبيب وسط اتهاماتٍ موجهة إليها بارتكاب جرائم دولية. تغيّرت النبرات في عواصم أوروبية أساسية، وتحرّكت برلماناتٌ وحكوماتٌ نحو قيودٍ على التسليح أو على تجارة منتجات المستوطنات، فيما تتّسع القطيعة الأخلاقية في الجامعات والشارع والإعلام. وللمرّة الأولى تُظهر استطلاعاتٌ أميركية تعاطفًا شعبيًا مرجِّحًا مع الفلسطينيين؛ ما يُضعف مفعول «شهادة الاعتماد» التي رُوِّج أن إسرائيل تمنحها لمن يقترب منها.

الفارق بين معاهدات الأمس و«إبراهيميات» اليوم أن الاتفاقيات القديمة أوقفت صدامًا مسلّحًا؛ أمّا الصيغة الجديدة فتقترح اندماجًا وظيفيًا مع إسرائيل: ممرّات لوجستية، أمنٌ سيبراني، استثماراتٌ متشابكة. وهنا الخطر، بإعادة ترتيب المجال الحيوي للمنطقة على أساس تفوّق القوة الإسرائيلية لا على أساس توازن المصالح.

***

إقرأ على موقع 180  "حرب الإبادة".. سبع مفارقات أمريكية استراتيجية

تُقام ماكينة التبرير الصهيونية على نقل مركز العداوة: ليست إسرائيل المشكلة، بل إيران. تُختزل المنطقة في «تحالفٍ أمني» عربي – إسرائيلي ضدّ «الخطر الإيراني». لكنّ هذه السردية تُغفل أنّ إيران الشاه كانت حليفًا وثيقًا لإسرائيل، وأنّ تل أبيب كانت في الوقت نفسه تحشد ضدّ مصر وسوريا والعراق. الثابت الإسرائيلي واحد: رفض أيّ منافسٍ إقليمي مهما كان اسمه. وتحويل القضية إلى صراعٍ فارسي – عربي لا يُسقط الأسئلة المركزية: الاحتلال، العودة، الحقوق، القدس، اللاجئون. أمّا مقاومات المنطقة فليست «وكالاتٍ» مختبرية، بل مساراتٌ وُلدت من الاحتلال والاستيطان، وإن وجدت دعمًا خارجيًا.

***

لماذا تُطبّع عواصم لا حدود لها مع إسرائيل؟ الإجابة المباشرة: ضغط أميركيّ صريح. والتفسير المكمل: قناعةٌ بأن الطريق الأقصر إلى واشنطن يمرّ عبر تل أبيب ولوبيّاتها. لكن هذا التفكير يُهمل ورقة قوّة عربية واضحة: بناء أدوات ضغطٍ ذاتية داخل الولايات المتحدة تعبّر عن المصالح العربية مباشرة. وإذا كان نظام اللوبيّات مفتوحًا، فلماذا يُستأجر من طرفٍ واحد؟ ثمّ إن العالم لا يدور حول محورٍ واحد، اذ تتشكّل منظوماتٌ اقتصادية وسياسية بديلة، من الصين إلى روسيا فـ«بريكس». العقل الاستراتيجي لا يحشر خياراته في زاويةٍ واحدة ولا يدفع ثمنًا سياسيًا باهظًا لممرّ يمكن تعويضه بتوازناتٍ أخرى.

***

غضبت الشعوب والجامعة العربية، وصدرت بيانات الاستنكار للنزوع التوسّعي الإسرائيلي وخطاب نتنياهو المهدِّد للاستقرار. ثم ماذا؟ هنا السؤال القاسي. لقد شكّلت حرب غزّة امتحانًا لكلّ المقولات «الجماعية» من شاكلة «النظام العربي» و«الأمن القومي العربي» و«الدفاع المشترك»، وخلال عامين تبيّن أنّها أقوال أكثر منها أفعال. الأخطر أنّ قلّةً فقط قرأت حرب غزّة بوصفها نذير «إسرائيل الكبرى»، ولم تُقرأ الحروب على سوريا ولبنان وتجريف عناصر القوّة في العراق وإيران ضمن السياق نفسه.

ليس المطلوب إرسال الجيوش وخوض حرب عسكرية شرسة. بل المطلوب وقف تغذية مشروعٍ يتمدّد ما دام يجد هواءً يتنفّسه: تجميد الترتيبات غير الملزِمة، مراجعة الاتفاقات التي أطلقت يد إسرائيل في قطاعاتٍ حسّاسة، والتعامل مع موجة الملاحقات القانونية والحقوقية كفرصةٍ لترميم الموقف الأخلاقي الرسمي.

وفي المقابل، يمتلك المجتمع العربي أدواتٍ فعّالة خارج صناديق الاقتراع: المقاطعة الاقتصادية التي وُثِّقت آثارها على شركاتٍ كبرى، الضغط المدني الذي غيّر حساباتٍ سياسية في عواصم غربية، والفضاء الرقمي الذي كسر احتكار الرواية. هذه ليست بدائل عن السياسة، لكنها تمنع تحويل «الاستثناء الإسرائيلي» إلى قاعدة.

***

لن يُقنع الفلسطينيون العالم بإسقاط التطبيع ما داموا أسرى معادلةٍ أمنية تُلزمهم بحراسة من يحتلّهم. «التنسيق الأمني» ليس إجراءً عابرًا بل عقيدة معكوسة: شعبٌ محتلّ يتكفّل بأمن سلطة الاحتلال فيما يُمنع من حماية مجتمعه. أيضًا سقط وهم «الوسيط النزيه»: واشنطن طرفٌ معلن لا مُحكِّم. والنتيجة على الأرض واضحة: تجريد السلطة من صلاحياتها، واقتحامٌ دائم لمناطق يُفترض أنها تحت إدارتها، وتشريعاتٌ إسرائيلية تُغلق باب الدولة نهائيًا.

التطبيع كلفةٌ أخلاقية ومخاطرةٌ استراتيجية.  وبعد غزّة، لم يعُد التطبيع «خطة استثمار» تُجرّ منافع تحت عناوين برّاقة. بل صار اختبارًا مزدوجًا: هل تُباع المبادئ في المزاد؟ وهل يُبنى أمنٌ مستدام على إنكار حقوق شعبٍ وإعادة هندسة خرائط المنطقة بقوّة الأمر الواقع؟ مصلحة العواصم العربية، قبل أيّ طرفٍ آخر، ألّا تمدّ مشروع الهيمنة بأوكسيجين إضافي. ومصلحة الفلسطينيين ألّا يركنوا إلى يقظة العالم وحدها، بل إلى وحدتهم وصبرهم وأدواتهم.

***

ما يُبنى على إنكار العدالة هشٌّ مهما طال، وما تُنتزع شرعيته بالقوّة لا تمنحه التوقيعات عمرًا طويلًا. إبقاء مسار التطبيع مُعلّقًا، ومراجعة ما وُقّع، وتمكين أدوات الردع الأخلاقي والاقتصادي والقانوني ليست شعاراتٍ عاطفية؛ إنّها سياسة وقاية. عندها فقط يستعيد هذا الشرق، الذي أُثقل بالخرائط والصفقات، حقّه في أن يصوغ علاقاته على قاعدة المساواة لا التفوّق، وعلى وعد العدالة لا سراب «السلام» الذي يُبرّر الظلم.

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  مجرم "بيدوفيلي" ينكأ ذاكرة المغرب.. إعدام أم سجن مؤبد؟