مُخطط إلغاء لبنان كرّسته المادة الأولى من اتفاق 27 ت2 (نوفمبر) 2024؟

سنة بأكملها مضت على قرار اتفاق 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024  وما يزال عاموس هوكشتاين مسترخيًا على كرسيّه الهزّاز، يتأمل بنا ويبتسم ابتسامة عميقة فيها كل ما في الضحك من سخرية.

لقد عرف عاموس كيف يستفيد إلى أقصى الحدود، من “عبقرية “ما يسمى بـ”لبنان الرسمي”، فقدّم لوطنه، الفعلي إسرائيل والثاني الولايات المتحدة، ما بات يعتبره “تحفة” دبلوماسية متعددة الأوجه؛ إنها الاتفاقية الأميركية-الفرنسية المعلن عنها من البيت الأبيض وقصر الإليزيه بلساني جو بايدن وإيمانويل ماكرون في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، والتي تحمل أحد العنوانين: اتفاقية وقف إطلاق النار أو اتفاقية وقف الأعمال الحربية.

كلهم كانوا راضين عن هذا “الإنجاز العظيم” الذي حقّقه “العزيز عاموس” – للتذكير بالعزيز هنري كيسنجر مع توقف حرب 1973  – وتبادلوا معه القبلات الحارة، ليس في الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة فحسب، وإنما في لبنان أيضًا، حيث كان أركان الحكم قد قطعوا أشواطًا في التعبير عن عواطفهم نحوه، بل وعن ثقتهم به، منذ ما قبل الإعلان عن الاتفاقية، أي منذ ترسيم الحدود البحرية المشؤوم؛ فكيف بعد إنجاز الاتفاقية ببنودها الثلاث عشرة، إذ شعر كل من الفرقاء الأربعة (واشنطن، باريس، إسرائيل، لبنان) بأنها تشكل ضمانًا لمصالحه وتحقيقًا لمطالبه؟

لبنان، وفي سياق تاريخ سلطاته العامة الحافل بالقراءة المسطحة للعقود والمواثيق الدولية (الوثائق) منذ توجيه تلك الضربة الخبيثة والمشبوهة لترسانة الدبلوماسية والتي قضت على الأكثرية الساحقة من عتاة الدبلوماسيين بتهم مفبركة مشينة في أواسط الستينيات من القرن العشرين، سقط من جديد في القراءة المسطحة ولنصّ اتفاق 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024!

السقوط اللبناني كيف؟

جرت العادة، عند كتابة نصوص الاتفاقات والمواثيق الدولية أن تحدد مواعيد البدء بسريان مضمون الاتفاق أو الميثاق بعد إقرار البنود كاملًا بين الفرقاء المعنيين على أن تحدد المواعيد في بداية النصوص المرقمة وتحديدًا في المادة الأولى التي تلي المقدمة، والتي تتضمن فذلكة الاتفاقات والمواثيق العتيدة. بناءً عليه أتت المادة الأولى وفق الصيغة الآتية:

-المادة الأولى: “ستنفّذ إسرائيل ولبنان وقفًا للأعمال العدائية بدءًا من الساعة 4 (بتوقيت إسرائيل بتوقيت شرق أوروبا) يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 للالتزامات الموضحة أدناه”.

لغم ضخم قويّ الانفجار جرى تمريره بصمت مطبق مرور المياه المتدفقة بسلاسة في منحدر.

نعم وبصمت مطبق، جرى تمرير هذه المادة الأولى من القرار–الاتفاق. وقبل تفسير معنى هذا اللغم، حسبنا الإشارة إلى وجود قاعدة “عرفية” تقضي بتحديد ساعة البدء بتطبيق هذا النوع من النصوص وفق توقيت البلد المستضيف الذي يجري فيه توقيع الاتفاق، أو إعلانه، أو وفق ما درج على تسميته بـ”التوقيت الدولي” (توقيت “غرينتش”) تيمنًا بالسلطة الاستعمارية البريطانية أو وفق توقيت كل من الموقعين على الاتفاق أو الميثاق إلخ.. ونظرًا لقلة عدد الموقعين لماذا يتم حصر التوقيت بتوقيت إسرائيل فيما لا يذكر توقيت لبنان؟ علمًا أن لبنان وعلى حد علمنا ليس موجودًا في أوروبا الشرقية. كما أن فرنسا غير موجودة في أوروبا الشرقية. كما ظهر الموقف الفرنسي ضحلًا، تابعًا، ذيليًّا خلف محور واشنطن–إسرائيل حين وقف الرئيس إيمانويل ماكرون في السادس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 وقرأ نص القرار بدءًا من مادته الأولى التي تؤشر عمليًا إلى إلغاء أي دور أو تأثير لفرنسا أو للاتحاد الأوروبي فيما يتقرر لمنطقة المشرق.

لكن الرئيس، سيد قصر الإليزيه، ظهر كالطاووس مسرورًا جدًا، فرحًا للغاية، بأنه شريك للولايات المتحدة في تقرير مصير منطقتنا وبأنه حجز لفرنسا، دون سواها من دول “القارة العجوز”، مكانًا لا يحظى به أحد من شركائها في “الاتحاد الأوروبي”. فلنضع تصرفه هذا في خانة الخِفّة، وهو في فرنسا مشهود له بالخفة، وليس في خانة التواطؤ.

يا له من انجاز عظيم!

عاموس هوكشتاين كان واقفًا خلف رئيسه جو بايدن الذي كان يقرأ النص، وهو في الحقيقة نصّ عاموس نفسه، ويجود في القراءة، وقد أشبعه محيطه الصهيوني في إدارته التي تودّع السلطة بأن ما “يقرره” هو دون سواه يصبح قرارًا ملزمًا للجميع، وأن الخدمة التي يقدمها للمشروع الصهيوني الذي يفاخر ويجاهر بالانتساب إليه يشكل منعطفًا تاريخيًّا سوف يؤدي حكمًا إلى بناء إسرائيل الكبرى المرتبطة مصيريًّا بحبل السرّة بالولايات المتحدة دون سواها. يعني ذلك أن جو بايدن يخترق، بـ”قراره” هذا حصون الزمن والتاريخ وينتقل من حالة رجل دولة، ولو مميّز، إلى صانع أقدار الأمم، يتبع الآخرون خطاه فيما هو لا يتبع أحدًا. فيا له من إنجاز عظيم تصغر أمامه المناصب الرئاسية بما فيها منصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية. فالرجل الذي سيحل محله (يعني دونالد ترامب) سوف يسير على خطاه لا محالة… إلى ما هنالك من كلام. يطيّب خاطره بعد خروجه الذليل من السباق إلى الرئاسة. أما الآخر، الفرنسي، الذي يوقع معه معنويًّا وليس ماديًّا، على قرار–اتفاق 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024  فلا يعدو دوره دور شاهد زور أو في أحسن الأحوال كورس، تمامًا كدور ميخائيل غورباتشوف، آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي ومنفذ الانتحار الكبير للإمبراطورية الحمراء وهي في صلب حلبة المواجهة المصيرية مع إمبراطورية الولايات المتحدة. هنا بالذات ثمة مقارنة تفرض نفسها لا بد من أن تُعمل.

هنا بيت القصيد الذي يفسّر كل ما يحدث على أرض الواقع الحربي بين لبنان وإسرائيل، ويفسر بالتالي تنامي الشراسة الإسرائيلية مقابل تنامي العدمية اللبنانية، والمسألة مسألة “توقيت”.

هل تتذكرون غورباتشوف و”توقيت واشنطن”؟

فلنعد بالذاكرة 34 عامًا إلى الوراء، إلى العام 1991. يومها، وعلى أثر تمدد احتلال الجيوش الأميركية ومن خلفها أتباعها الأطلسيون في الخليج وتحرير الكويت وطرد الجيش العراقي منها، قرّر الرئيس الأميركي جورج بوش الأب الاستثمار في عملية تحرير الكويت لفرض حلّ شامل لما يسمى أزمة الشرق الأوسط. وذلك بالدعوة إلى مؤتمر دوليّ يشارك فيه المعنيون مباشرة بالأزمة، وكلهم انضووا تحت القيادة الأميركية لتحرير الكويت، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. بطبيعة الحال، كان الرئيس بوش وإدارته والكتلة الصناعية العسكرية بتشكيلاتها كافة يعلمون أن دولة الاتحاد السوفييتي قد دخلت مرحلة الاحتضار الكامل ولا إمكانية لنجاتها من قدر الزوال المحتوم.

كانت أحادية الزعامة الأميركية تتكرس بخطا سريعة، ومع ذلك راحت الإدارة الأميركية تستثمر الاحتضار السوفييتي بطريقة ذكية جدًا جاعلة من الإمبراطورية الحمراء دولة تابعة، بكل معنى الكلمة تابعة لواشنطن وباندفاع واضح ينظمه من الداخل التيار العريض المعادي للشيوعية والمؤمن بالليبرالية على اختلاف درجاتها بما في ذلك الليبرالية الأكثر توحشًا كتلك القائمة في الولايات المتحدة، وبذلك صارت دولة الاتحاد السوفييتي ترفع كغيرها من الدول بيرق التبعية لمن كان في الماضي مصنفًا كعدو وجودي لدولة لينين.

وبناءً عليه، أخطر بوش الأب نظيره السوفييتي بفكرة عقد مؤتمر دولي “لحل أزمة الشرق الأوسط”، كما يقال، فوافق الرئيس غورباتشوف على الفور، إذ لم يعد عنده سوى ورقة الموافقة على أي عرض يأتيه من واشنطن. فوزعت الدعوات إلى المعنيين وجاء فيها:

“إن رئيس الولايات المتحدة ورئيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية يدعوانكم إلى مؤتمر للسلام، برعاية بلادهما، يتبعه فورًا مفاوضات مباشرة. سوف يعقد المؤتمر في مدريد (عاصمة المملكة الإسبانية) في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 1991. إن الرئيس بوش والرئيس غورباتشوف يطلبان منكم أن ترسلوا أجوبتكم على هذه الدعوة قبل 23 أكتوبر/تشرين الأول الساعة 18 بتوقيت واشنطن لكي يصبح بالإمكان تنظيم وتحضير المؤتمر في ظروف مناسبة”.

التوقيت. بتوقيت واشنطن الساعة 18. واشنطن دون سواها حتى ولو كان سواها يدعى الاتحاد السوفييتي، العملاق النووي وزعيم المعسكر الشرقي في العالم والندّ للولايات المتحدة على مدى حوالي خمسة عقود من الزمن.

فلنتصور مدى فظاعة هذا التوقيت. لقد كان من المفترض إما اختيار “التوقيت الدولي (“غرينتش”) أو توقيت دولة المقر إسبانيا التي تتحمّل تكاليف الإجراءات اللوجستية وتوفر الإجراءات الأمنية الضخمة والخسائر المادية الكبيرة المترتبة على الشلل الاقتصادي الذي يصيب العاصمة مدريد جراء الترتيبات الملازمة لانعقاد المؤتمر، قبيل وأثناء وبعيد انعقاده، ناهيك عن وجوب احترام هذه المملكة الإسبانية المضيفة والمضيافة والتي لا تجني مكاسب مادية من خلال إسهامها في خدمة قضية السلام في منطقتنا، إذ إن حيتان “العم سام” وشركاءه سوف يفتكون بكل شيء. وأما الخيار الثالث للتوقيت، في حال استبعاد الخيارين آنفي الذكر فهو عقد المؤتمر بتوقيت كل من الدولتين الراعيتين، لكن تجاهل توقيت موسكو فيه إهانة ما مثلها إهانة.. ولكن، كلنا نعلم ماذا كان ينتظر الاتحاد السوفييتي. ففي 26 كانون الأول (ديسمبر)، أي بعد شهر و27 يومًا من مؤتمر مدريد أعلن مجلس السوفييت الأعلى حل دولة الاتحاد السوفييتي فحدث ما حدث!

الشيطان.. والتوقيت والتفاصيل

الوثائق، عمومًا، سواء أكانت دولية أو غير ذلك يجب أن تقرأ بهدوء، فكيف إذا كانت تعود لدول مفترسة أو مفترسةً وتعلن عن نواياها بالكامل ولا تشعر بأي حرج في ذلك، فكيف إذا كانت هي نفسها إسرائيل التي تتمتع بدعم من الدول الاستعمارية للمضي قدمًا في برامجها، خصوصًا وأنها تتوافق في معظم الأحيان مع برامج ومصالح الاستعمار الغربي على اعتبار أنها في الأساس صنيعة لهذا الاستعمار، مهمتها حماية مصالحه.

تحمي مصالحه فيحمي وجودها، ولهذا السبب بالذات فإن إسرائيل لا تحارب وحدها، بل يشاركها ويحميها تحالف دولي عربي عريض بقيادة الولايات المتحدة ميدانيًا.

وعندنا في لبنان مَثل يردده الناس باستمرار ألا وهو: “الشيطان يسكن في التفاصيل”.. لكننا نضرب كل الأرقام القياسية بالمرور إلى جانب التفاصيل دون التوقف عندها بحثًا عن الشيطان، في الوقت الذي تدخل فيه كل أنواع الشياطين إلى عمق أعماق بلادنا وتخرج بأمان وسلام، إلى حد أن بلدنا صار في نظر العديد من الشياطين شبيهًا بالملاذات الآمنة لهم.

السؤال الذي أطرحه على نفسي منذ أن قرأت نص القرار-الاتفاق، باللغات الثلاث، الإنكليزية والفرنسية والعربية، هو: لماذا يعتبر لبنان في المادة الأولى من القرار-الاتفاق بلد بلا توقيت؟ ومنذ قراءتي الأولى للنص تمثل أمامي نص الدعوة إلى مؤتمر مدريد، فلا هذا ولا ذاك أثار حفيظة أحد.. وفي بلادنا كَثَُر يومها الحديث عن ساعة البدء بوقف إطلاق النار ولم يتساءلوا عن التوقيت.

إقرأ على موقع 180  عن فدرالية الكورونا وشوبنهاور

سياسيون ودبلوماسيون وإعلاميون وخبراء إستراتيجيون ودبلوماسيون قاموا يتناقشون بمحتويات القرار–الاتفاق، بدءًا من مادته الأولى، دون أن يستوقفهم موضوع التوقيت. ولم تعد الصورة تفارقني صورة العدو وهو يعرض خريطة إسرائيل الكبرى، يعني خريطة طريق المشروع الصهيوني على امتداد المشروع؛ محذوف منها فلسطين ولبنان والأردن وسوريا وثلثا العراق والثلث الشمالي من المملكة العربية السعودية وسيناء والضفة الغربية من قناة السويس وصولًا إلى النيل.. يعني أن لبنان برسم الإلغاء عن الوجود. ربما أن مشاريع من هذا النوع تتطلب تحضيرات على مراحل، فإننا نلاحظ منذ سنوات كيف أن الحصار المفروض على لبنان يضيق يومًا بعد يوم، حسب المراحل ومقتضياتها، ولكل مرحلة منها مبررات ومآخذ وعناوين من الملاحظ أنها كلها، تصب في المشروع الصهيوني.

تراجعٌ يليه تراجعٌ.. ماذا بعد؟

حين نقرأ نص القرار–الاتفاق بروح تتفق مع مصلحة لبنان، نجد أن عاموس نجح في تسميم القرار منذ مادته الأولى. فالمادة الأولى كانت هي الطعم لاختبار مدى استعداد المفاوضين اللبنانيين للتنازل. لو رفض لبنان إهانة حذفه من موضوع التوقيت وأصرّ على تصحيح الأمر كشرط لا تنازل عنه للقبول بالاتفاق لجرى تصحيح الأمر ووجد عاموس وجماعته أن ابتلاع حقوق اللبنانيين ليس بالأمر السهل. لكن مرور خدعة “التوقيت” شجع على تسريع البدء باستئناف الأعمال العدوانية الحربية.

حصل ذلك بعد وقف إطلاق النار بساعات قليلة. حين جسّ الفريق الإسرائيلي الأميركي نبض لبنان من خلال استئناف حركة المسيرات فوق العاصمة بيروت دون صدور أي رد فعل عسكري، أو أي إنذار برد فعل عسكري، فعادت المسيرات بشكل تدريجي إلى الأجواء، خطوة تلو خطوة، تارة ببطء وتارة بسرعة، فتبين أن لبنان اختار الشكوى للجنة الأميركية-الفرنسية كأعلى سقف يذهب إليه في الرد على العدوان المتواصل، إلى أن صار العدوان يتصاعد بقوة وصولًا إلى مجاهرة المحور الأميركي-الإسرائيلي بإنهاء مفعول القرار–الاتفاق ولم يعد هنالك من سقف للمطالب الإسرائيلية المدعومة أميركيًا بالكامل.

صارت أحوال لبنان تتراجع مع كل شروق شمس، فتحولت الدولة وتحديدًا الحكومة، ومعها الحزب، إلى ما يشبه العداد الذي يسجل يوميًّا عدد الاعتداءات الحربية التي سمّوها “خروقات” بينما هي أخطر من ذلك بكثير، إذ هي عمليات “عدوانية حربية”. والحرب العدوانية، حسب اجتهاد محكمة نورمبرغ لمحاكمة النازيين إثر هزيمة المحور في الحرب العالمية الثانية، تصنّف على أنها “الجريمة الدولية الأرفع”. وجاء هذا التصنيف-التعريف للعدوان الحربي الذي يصبح “حربًا عدوانية” تشنها دولة على أخرى، إذا جرى التمادي في استخدامها بشكل متواصل، في الفقرة الحكمية من قرار محكمة نورمبرغ، وهو ما ينطبق تمامًا على ما تقوم به إسرائيل من عدوان متواصل على لبنان لم يهدأ منذ أكثر من سنة بالتمام والكمال.

10 آلاف خرق إسرائيلي مقابل صفر لبناني!

إن واقع الحال على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية أقرب إلى الخيال. فإسرائيل لم تحلم يومًا بأن تصل إلى هذا الوضع المريح. فهي تقصف وتقتل وتدمر وتحرق وتهجّر وتقوم بإبادة الحياة تمامًا، كما فعلت في غزة، وذلك في 38 قرية من قرى الشريط الحدودي. وحوّلت الأراضي اللبنانية بأكملها، يعني على طول وعرض مساحة 10452 كلم مربع، إلى مناطق احتلال إذ هي تصول وتجول وتنفذ عمليات اغتيال وتدمير منشآت حيوية. في كل المناطق اللبنانية، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، فيما الخطاب الرسمي للسلطات العامة يركز على “احتفاظ إسرائيل بخمس نقاط احتلال داخل الأراضي اللبنانية”.. بينما يزعم آخرون أنها تحتل ثماني نقاط. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن عمليات “الحرب العدوانية” (يعني “الجريمة الدولية الأرفع”) المتواصلة والتي تجاوزت العشرة آلاف خرق للقرار-الاتفاق، أو بالأحرى 10000 عملية جرمية من نوع “الجريمة الدولية الأرفع” يقابلها “صفر” عملية من الجانب اللبناني وتشهد بذلك القوات التابعة للأمم المتحدة “يونيفيل” والتي بدورها لم تنجُ من “الجرائم” الدولية الأرفع” المرتكبة من جانب إسرائيل مستهدفة إياها عن سابق تصور وتصميم.

أكثر من ذلك، ثمة ما لا يمكن أن يلوح في أفق العقل وهو الآتي: مقابل الـ10000 عملية حربية عدوانية من جانب إسرائيل لم تُقدّم الحكومة اللبنانية سوى شكوى خجولة إلى مجلس الأمن الدولي وبالتالي لم تُحاول استصدار أي قرار عن مجلس الأمن الدولي، علمًا أن السلطات اللبنانية وفي طليعتها الحكومة تُبرّر سلوكها كله بحجة أنها اختارت العمل الدبلوماسي حصرًا ونبذت أي عمل عسكري دفاعي في لبنان لصد العدوان الإسرائيلي!

حتى حين أُعلِنَ أن رئيس الجمهورية “طلب” إلى وزارة الخارجية اللبنانية تقديم شكوى إلى مجلس الأمن على أثر تدمير الطيران الإسرائيلي في ليلة واحدة لأكثر من 800 آلية مخصصة للأشغال العامة والبنى التحتية والزراعة في جنوب لبنان، فإن “الطلب” العتيد اختفى أثره في فضاء الكرة الأرضية الفسيح، وتحديدًا في المجال الجوي، بين القصر الجمهوري ووزارة الخارجية، يعني في المجال الخاضع لسيطرة الطيران الحربي الإسرائيلي، سواء التقليدي أو المُسيّرات، والأغرب من كل ذلك سكوت الجميع، من قوى سياسية، معارضة أو موالية لا فرق، إلى أجهزة الإعلام ومعظمها منصاع للجهات الممولة، كما في الغرب كذلك عندنا.

هل تذكرون ما حصل في آب (أغسطس) 2006؟

وبالنسبة إلى الدبلوماسية، أو ما يسمونه في لبنان “سلاح الدبلوماسية”، فإن رئيس الدبلوماسية اللبنانية، وزير الخارجية، يعتبر أن كل ما يمكن فعله هو “أن نذهب إلى الولايات المتحدة ونبكي أمامها”!.. لا تعليق.

المختصر المفيد: المقاومة في لبنان تلتزم مئة بالمئة باتفاق- قرار 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024  وإسرائيل تدوس الاتفاق كله بجزمة جنودها التلموديين المدعومين بقوة والتزام من جانب الولايات المتحدة. وأما فرنسا “الأم الحنون للبنان” فلا يبدو أن حكومتها تختلف مع رأي الرئيسة أورسولا فان دير لاين التي خاطبت الإسرائيلي بقولها “نشترك معكم في القيم التلمودية”.

الحكومة الإسرائيلية بكامل طاقمها الائتلافي، تؤكد باستمرار أنها لن تنسحب من لبنان مهما كلف الأمر وأنها غير ملزمة بالقرار 1701 الذي، وللتذكير وخلافًا لما يشاع، كان أول الموافقين عليه يوم صدوره عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 11 آب (أغسطس) 2006 كان قائد المقاومة اللبنانية السيد حسن نصرالله، في حين أن الحكومة اللبنانية آنذاك أعلنت موافقتها على القرار يوم 12 آب (أغسطس) 2006 وأما إسرائيل فلم تعلن عن موافقتها إلا في مساء يوم 13 آب (أغسطس) 2006. والسبب الرئيسي لهذه السرعة في صدور موافقة السيد نصرالله يعود إلى نص المادة الخامسة من القرار 1701 والتي تنص على الآتي:

المادة 5: “يؤكد (مجلس الأمن الدولي) مجددًا تمسكه الثابت كما ذكر في كل قراراته السابقة، بوحدة وسلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليًّا كما هو وارد في اتفاقية الهدنة الإسرائيلية اللبنانية الموقعة في 23 آذار/مارس 1949”.

هنا أهمية الموضوع، إذ إن القرار 1701 هو النص الوحيد الذي يكاد أن يعيد الحياة إلى اتفاقية الهدنة التي لا ترغب إسرائيل في سماع أي ذكر لها لأسباب عدة أهمها سببين:

السبب الأول أن المادة الخامسة من اتفاقية الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية الموقعة في 23 آذار/مارس  1949، تنص على الآتي:

الفقرة 1- “يتبع خط الهدنة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين”.

والسبب الثاني يعود إلى ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة الخامسة وجاء نصه:

“في منطقة خط الهدنة تتألف القوات العسكرية لكلا الفريقين من قوات دفاعية فقط كما هي محددة في ملحق هذا الاتفاق”.

على مدى عشرات السنين وإسرائيل تعمل على دفن اتفاقية الهدنة الكفيلة، حاضرًا ومستقبلًا، في حال عودة الحياة إليها، أن تشكل سدًّا منيعًا أمام شبقها الدموي-الجغرافي الذي لا يعرف الارتواء بل يطلب المزيد. وموقف إسرائيل من القرار 1701 يعود لعناقه الشديد مع اتفاقية الهدنة، وتشابكه معها بحيث بات من شبه المستحيل فك الترابط بينهما.

لذا من المفيد جدًا لإسرائيل أن يستمر الوضع في لبنان على ما هو عليه، أي قضم الأراضي وابتلاع المياه اللبنانية من خلال تكريس الاحتلال لجبل الشيخ ومجرى أنهر الليطاني والحاصباني والوزاني، وأيضًا ابتلاع الغاز والنفط اللبنانيين بتسهيل من السلطات اللبنانية المغطاة بدفء “الحضن العربي”، وكذلك المضي قدمًا في الإبادة الصامتة التي يجري تعميمها من خلال مقررات شرم الشيخ وهي بالمناسبة تستهدف اليوم، أول ما تستهدف إجهاض الحراك الشعبي العظيم الذي يعمّ عواصم ومدن وجامعات الغرب تنديدًا بالإبادة في فلسطين، وهو الحراك الذي كسر رهبة ووهرة القوة الصهيونية في الغرب للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. فبات الانتقال من الإبادة الصارخة المدوية إلى الإبادة الصامتة، على غرار ما يحدث في لبنان والضفة الغربية، ضرورة وجودية بالنسبة لإسرائيل، ويحدث ذلك بمساعدة كريمة من “الحضن العربي”. وقرار مجلس الأمن الذي يكرّس مشروع ترامب شاهدًا على فعالية الصهيونية العربية التي نجحت في تحييد روسيا والصين عند التصويت.

إن التعامل الأميركي – الفرنسي في موضوع القرار- الاتفاق يقوم على الآتي:

أيها اللبنانيون قدّموا لإسرائيل أرضكم ومياهكم ونفطكم وأرواحكم وهي قد تعدكم بالأمان والسلام.

(*) هذا النص هو افتتاحية عدد مجلة “تحولات” لشهر كانون الأول/ديسمبر 2025 الذي سيصدر في الأسبوع المقبل

Print Friendly, PDF & Email
حسن حماده

كاتب؛ عضو المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  العلاقات الأميركية - الإسرائيلية: إختبارات وإحتمال نشوء توترات