الأوليغارشيَّة الكولونياليَّة الرأسماليّة الأميركية، بالتحالف الطبقي والفكري والديني مع الصهيونيّتيْن اليهودية والمسيحية، هي التي أرادت الحربَ وقادتها. وهي التي تتقلَّب الآن في مأزقها. باتت مثل الثعبان الجريح يعضُّ بطنه متوهِّما تأخير موتِه. مثلُها في ذلك مثل كلِّ رأسمالية استعمارية، عندما تبلغ ذروتها تدخل تاريخياً في منحنى الانحدار الجارف. أمَّا ترامب فهو الرمز المعبِّر عن هذه الطبقة بفجاجة فاقعة. وإذا كان هناك متسرِّعون يربطون قرار الحرب بِهَوَجِ ترامب وجُموحِه فإنَّ هؤلاء سُذَّجٌ يقصِرون قراءة التاريخ على الأفراد، أو هم خُبَثاءُ يريدون تبرئة الطبقة الرأسمالية التي تريد احتكار العالم لا ثرواته فحسْبُ. وفي الحالين يغرب عن بال هؤلاء أنَّ الرؤساء الأميركيين الذين خِيضَتْ في عهودهم حروب الولايات المتحدة كانوا يتحدَّثون بلغة ترامب لكن من دون فظاظة ألفاظه.
الصمود الإيراني هو الذي سيُؤدِّي إلى نتائج عالميّة استثنائية بعد انتهاء الحرب في لحظة ما. وهذا ما تخشاه واشنطن وتل أبيب.وتتلقَّاهُ أوروبا بجبنٍ إستراتيجي تشعر معه يوماً بعد يوم، بالانزلاق نحو الهامش التاريخي. أمَّا معظم دول الخليج فتعيش حتى الآن حالة عشقٍ بين الضحيَّةِ والجزّار، وتراهن على قوة نفطها التي يستحيل أن تبقى كما كانت.
الميزان العسكري وحدَه غيرُ كافٍ لفهم سبب صمود الجمهورية الإسلاميّة. الفارق كبير بين الطرفين: الأميركي – الإسرائيلي من جهةٍ، والإيراني من جهةٍ أخرى. قادة العدوان تقلَّبوا في فخِّ الفهم النظري التِقني من دون الفهم التاريخي والثقافي. نظروا إلى الفارق الكمّي وتجاهلوا بغرورهم الفارق النوعي. لم يأخذوا في الحُسبان أنَّ البَوْنَ شاسعٌ بين جنديِّ الـ”همبرغر” الأميركي غير المنتمي، وبين المقاتل الإيراني المؤمن بثقافةٍ حُسينيّةٍ ممزوجةٍ بانتماءٍ تحرُّريّ قوميّ حضاريّ. الأمر نفسه ينطبق على المستوطن العسكري الصهيوني الذي يعاني في وجدانه من فقدان شرعيّة الوجود بالقوة.
هذه العوامل أسقطها الأميركيّون والإسرائيليون، فخاضوا حرباً للسيطرة الإمبريالية. واشنطن تريد موقعَ إيران ونفطها لتطويق الصين وروسيا، والكيان الصهيوني يريد إزاحة إيران من أمام خطته لإقامة “إسرائيل الكبرى. أمَّا الإيرانيّون فيخوضون حرباً وجوديّةً مصيرية لا مجال فيها سوى للصمود أو الشهادة وبينهما احتمالات الانتصار. المفهومانِ متناقضانِ كليَّاً، وهذا التناقض سيحدِّد مآلات الحرب لاحقاً.
ولقد كان واضحاً جدّاً أنَّ العدوان على إيران اعتمد في خلفيّتِه الإستراتيجية على نظرية كلاوزفيتز (مُنظّر عسكري بروسي ما زالت نظرياته معتمدة لدى الغرب منذ نحو قرنين) القائمة على استخدام “القوة الغاشمة لفرض الإرادة السياسية على العدوِّ” غير أنهم لم يُعيروا انتباهاً إلى أنَّ الحروب عادةً ما تجنحُ إلى الحدِّ الأقصى، ولا سيّما عندما تفشل في الضربة الأولى. عندئذٍ يصبحُ كلُّ تفصيل قضيَّةً معقَّدةً، وكثيراً ما تصبُّ في مصلحة الطرف الأقلِّ عُدَّةً وعدداً. وهذا ما فعلتْهُ إيرانُ عندما تَبنَّتْ مع الصين وروسيا نظرية “صان تزو” (مفكر إستراتيجي قديم عاش قبل 2500 سنة ونظرياته معتمدة إلى اليوم في الجيشين الصيني والروسي وعدد من حركات التحرر في العالم) التي تقوم على عدة مبادىء أبرزها: معرفة الذات حضاريا؛ معرفة العدو؛ الحكمة والتكيُّف؛ والتمسك بقوة الإرادة. وهذا ما استمسكت به إيران عندما استخدمت قوة الإرادة في وجه إرادة القوة حيث يقول صان تزو: “إذا كنت تعرف نفسك، وتعرف عدوَّك، فلا تَخْشَ مئةَ معركةٍ”.
هنا تدور المعادلة العميقة للصراع، إذْ ليس الانتصار بالضرورة لمن يملك القوة الكبرى، بل قد يكون لمن يملك الإرادة والصبر والقدرة على التكيُّف، والرؤيا العقيديّة الراسخة سواء أكانت سياسية أم دينية. هذا ما أثبته انتصار فيتنام على أميركا(1945-1975) والجزائر على فرنسا(1954-1962)، ومصر بوجه “العدوان الثلاثي”(1956) وصمود ليننغراد التي هزمت النازيين في الحرب العالمية الثانية…إلخ. وهذا ما تراهن عليه إيران حاليّاً حيث تستنزف الموارد العسكرية الأميركيَّة والإسرائيلية، وتعتمد النفس الطويل، وترتكز على موقعها الإستراتيجي بالنسبة إلى الصين وروسيا.
وإذا كانت الحروب الكبرى بخواتيمها، فإنَّ بعضها يظهر جزءٌ من نتائجه قبل انتهائها. ولقد تأكَّدت في الحرب على إيران حتى الآن النتائج الآتية باختصارٍ:
1-استحالة ُ كسْرِ الإرادةِ الإيرانيّةِ، فالقيادةُ الجديدةُ برهنتْ تماسُكَها، وثباتَ رؤيتِها الإستراتيجيةِ الدفاعيَّةِ من مضيق هُرمُزْ إلى بحر قزوين.
2- كيانُ الاحتلالِ باتَ مكشوفاً أمامَ القُدُراتِ الصاروخيَّةِ الإيرانيّة، وباتت واشنطن وتل أبيبْ محرَجتيْنِ عسكريَّاً بعد الاهتزازِ الشديدِ في منظوماتِ “حيتس” الثلاثِ و”مقلاع داوود” و”القُبةِ الحديديّةِ”، وبلوغِ الإصاباتِ الإيرانيَّةِ مستوىً عالياً من الدٌقةِ.
3- سقوط نظريّةِ السلام بالقوَّةِ. وانكشاف لعبة الخديعة في المفاوضات، فإذا حصلت مفاوضاتٌ في وقتٍ ما فإنَّ نظريةَ الهيمنةِ الأميركيةِ في التفاوُضِ اِنتهتْ إلى غيرِ رجعةٍ حتى بصيغةِ باراك أوباما عامَ ألفينِ وخمسةَ عشرَ.
4- دقَّ الصمود الإيراني المسمار الأخير في نعشِ العولمة المؤَمْركة، وخلَْخَلَ بنية النظام المالي الدولي الراهن، وأعاد القيمة للسياداتِ الوطنية والقومية، وفتح الباب واسعاً أمام نظامٍ آتٍ متعدِّدِ الأقطاب، وأمام عولمة معكوسةٍ لا تلغي الأوطان، ولا تنسف الثقافات، بل تبني العلاقات بين كتلٍ متنوعة متوازنة.
أمَّا إذا أرادت الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني إكمال المقامرة بالعالم، وحاولت الانتقال إلى العمل البري فإنَّ مصيرها هو الفشل المحتوم، وستكونُ بداية تسارعِ انهيارها في اللحظة التي يقتربُ فيها جنودها من الأرض الإيرانية، مثلما انهارت إمبراطورية بريطانيا (ومعها فرنسا) عندما هاجمت قناة السويس. بريطانيا العظمى غابت عنها الشمس عندما احترقت في قناة السويس، أمَّا في مضيق هُرْمُزْ فستغيب شمس الولايات المتحدة وظلّها الإسرائيلي ولو طالت المدة بضع سنواتٍ. وربّما ستبرهنُ الأيام صوابية رأي العالم الإنتروبولوجي الفرنسي إيمانويل تود الذي توقَّع قبل سنتين نهاية الغرب الاستعماري. وهذا ما لا يتحمَّل الغرب التفكير فيه لكنَّ إيران وحليفيها الصيني والروسي يرونه واقعاً لا محالة.
