مفاوضات باكستان توقظ أفاعي “بندورا” في لبنان

تفتح المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في إسلام آباد فجوة تحليلية عميقة في بنية السؤال اللبناني حول التمثيل والصيغة والقرار.

في أدبيات العلوم السياسية، يظهر هذا السؤال ضمن ما يُعرف بإشكالية “تعدد مراكز السيادة”، حيث تتجاور سلطة رسمية مع فاعلين يمتلكون قدرة مادية على فرض الوقائع. يشير ماكس فيبر إلى أن الدولة تُعرَّف باحتكار العنف المشروع، بينما تُظهر الحالة اللبنانية توزّع هذا الاحتكار على مستويات مختلفة، ما يفتح المجال أمام ازدواجية تمثيل تتكثف في لحظات التفاوض الإقليمي.

في هذا السياق، يتقدم فاعلان: الدولة بوصفها كياناً يسعى إلى التموضع داخل النظام الدولي بندوبه وعلله، وقوة ميدانية راكمت شرعية مختلفة عبر الصراع، هي حزب الله. هذا التوازي ينسجم مع ما طرحه روبرت بوتنام في نظرية “اللعب على مستويين”، حيث تتداخل المفاوضات الخارجية مع توازنات الداخل، فيصبح كل اتفاق خارجي مشروطاً بقدرة الداخل على استيعابه.

المعضلة الأساسية تنبع من محاولات فرض فصل قسري بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، في لحظة تتداخل فيها الوقائع على الأرض مع موازين القوى الإقليمية. يترافق ذلك مع طرح احتمالات تفاوض مباشر مع إسرائيل، ومع ضغط يتصل بمسألة سلاح حزب الله، وهي عناوين تحمل حساسية عالية داخل البنية اللبنانية، وتلامس توازنات دقيقة تشكّلت عبر سنوات طويلة من الصراع والتراكم

يتحوّل الضغط هنا من المجال العسكري إلى البنية الاجتماعية، في نموذج يقترب من مفهوم “الحرب الهجينة”، كما طوّرته أدبيات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث تُستخدم أدوات سياسية وإعلامية واجتماعية لإعادة تشكيل البيئة الداخلية للخصم . في الحالة اللبنانية، تتجسد هذه الآلية عبر تضخيم الإشكالات المتعلقة بالنزوح؛ إعادة تنشيط الهواجس الأمنية؛ تغذية الانقسامات المذهبية والمناطقية. هذه العناصر، وفق مقاربات صموئيل هنتنغتون، حول الهوية والصراع، تمتلك قابلية عالية للتحول إلى خطوط تماس حين تتقاطع مع أزمات السلطة

تُظهر دراسات بناء الدولة بعد النزاعات، وبخاصة أعمال فرانسيس فوكوياما، أن اللحظات الانتقالية تحمل خطراً مزدوجاً: إما إعادة إنتاج مؤسسات قادرة على استيعاب القوى الفاعلة، أو انزلاق نحو تفكك تدريجي. في لبنان، يتخذ هذا التحدي شكلاً مركباً، حيث تتقاطع الدعوات إلى إعادة تشكيل السلطة مع موازين قوة قائمة تفرض حضورها في أي صيغة سياسية جديدة.

التجربة اللبنانية نفسها تُقدّم شواهد على إدارة هذا التعقيد عبر ما يمكن تسميته “التوازنات التوافقية”، وهو نموذج قريب من مفهوم الديموقراطية التوافقية لدى أرند ليبهارت، حيث تُدار الانقسامات عبر تقاسم السلطة بدل حسمها. هذا النموذج، برغم هشاشته، أثبت قدرة على احتواء صدمات كبرى حين توفرت إرادة داخلية وإسناد إقليمي متوازن.

اليوم، يقف لبنان أمام لحظة أكثر كثافة. المفاوضات الأميركية – الإيرانية في باكستان تعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى، وتدفع الداخل اللبناني إلى اختبار حدوده. كل خطاب سياسي، كل حادثة في الشارع، يتحول إلى مؤشر ضمن منظومة إنذار مبكر. إدارة هذه اللحظة تتطلب هندسة دقيقة تعيد توزيع الأدوار ضمن صيغة تستوعب التعدد بدل تفجيره.

بين خيار تحويل التفاوض إلى فرصة لإعادة بناء التوازن، وخيار الانزلاق نحو تفكك داخلي، يتحدد المسار. التجارب المقارنة تشير إلى أن المجتمعات التي تنجح في ضبط إيقاعها الداخلي خلال التحولات الإقليمية تكتسب قدرة أعلى على حماية سيادتها. في المقابل، كل اهتزاز داخلي يفتح الباب أمام فاعلين خارجيين لقطف نتائج تعذّر تحقيقها في الميدان.

الإيقاع الزمني يتسارع إلى حدّ يجعل كل ساعة تحمل تحوّلًا جديدًا، فتتراكم الضغوط كما لو أنّها شحنة قابلة للاشتعال في أي لحظة. هنا تتقدّم مهمة تفكيك الألغام كأولوية قصوى، تتوزّع على عاتق الرؤساء الثلاثة (جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام)، ضمن توازن دقيق بين ضبط الداخل واحتواء تدفّقات الخارج.

في هذا السياق، يبرز دور نبيه بري بوصفه نقطة ارتكاز ثقيلة في إدارة التعقيد، حيث تتكثّف أمامه خطوط متقاطعة: مسار لبناني يحتاج إلى تثبيت حدوده السياسية، ومسار إقليمي يتشابك معه على نحو عضوي. مهمته تتخذ طابعًا أكثر إرهاقًا، لأنّها تتعامل مع طبقات متعددة من التوتر، تمتد من اللغة السياسية إلى احتمالات الانزلاق الميداني.

المعضلة الأساسية تنبع من محاولات فرض فصل قسري بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، في لحظة تتداخل فيها الوقائع على الأرض مع موازين القوى الإقليمية. يترافق ذلك مع طرح احتمالات تفاوض مباشر مع إسرائيل، ومع ضغط يتصل بمسألة سلاح حزب الله، وهي عناوين تحمل حساسية عالية داخل البنية اللبنانية، وتلامس توازنات دقيقة تشكّلت عبر سنوات طويلة من الصراع والتراكم.

هذه العناوين تتعارض مع صورة الإنجاز التي رسّختها المقاومة في الوعي الداخلي، ما يفتح فجوة بين ما يُطرح سياسيًا وما يُختبر ميدانيًا. من هنا، تتشكل لحظة حرجة، حيث أي محاولة لفرض مسارات متناقضة تُحرّك طبقات كامنة من التوتر، وتُعيد تنشيط حساسيات مرتبطة بالهوية، والأمن، وتوزيع القوة داخل المجتمع.

إقرأ على موقع 180  مصارف لبنان: نحن الأقوى.. بلطوا البحر!

هنا تتجسّد صورة “صندوق بندورا” بكل ثقلها: لحظة واحدة كفيلة بإطلاق سلسلة من التفاعلات المتداخلة، حيث تظهر الأفاعي دفعة واحدة، في السياسة والشارع والخطاب.

إدارة هذه اللحظة تحتاج إلى دقة استثنائية، حيث يتحوّل كل تصريح إلى إشارة، وكل خطوة إلى اختبار، وكل تفصيل إلى احتمال مفتوح على مسارات متعددة.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الشرق الأوسط.. وعواصف الجيوبوليتيك