حرب إيران بين التعليق.. والتصعيد

ما شاهدناه في منطقة الخليج في الساعات الماضية، يشي بأن الهدنة المعلنة ليست سوى توقفٍ محسوب في إيقاع الحرب، لا نهايتها. فالصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران انتقل من ساحات النار إلى مساحات الرماد، حيث الغموض أداة، والتأجيل سياسة، والتصعيد احتمال دائم. في هذا الفراغ بين الحرب والسلام، تُدار المواجهة بأشكال أكثر تعقيدًا، فيما تبقى نهايتها مفتوحة على كل الاحتمالات.

مرّ شهران على الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ حرب «الغضب الملحمي»، كما سمّتها واشنطن، و«زئير الأسد»، كما سمّتها إسرائيل، و«الوعد الصادق 4»، وفق التعريف الإيراني للحرب. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أكد أن وقف إطلاق النار، أو الهدنة التي أعلن عنها في مطلع الأسبوع الثاني من الشهر الماضي، ما زالت مستمرة، وأكد إنهاء العمليات القتالية. جاء ذلك تزامنًا مع انتهاء المهلة القانونية التي تستدعي منه تقديم تقرير إلى الكونغرس بشأن الحرب القائمة. لم يُخفِ ترامب موقفه بعدم نيته طلب تفويض من الكونغرس للاستمرار في الحرب لمدة ثلاثين يومًا إضافيًا بموجب قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، مع التذكير بأن الرئيس الأميركي ينتقد بشدة هذا القانون ويعتبره غير دستوري، وبالتالي غير ملزم له، حسب التفسير الذي يعطيه للقانون المشار إليه. ويعتبر ترامب أن وقف إطلاق النار قد أوقف العدّ التنازلي، حسب القانون المشار إليه، ومنحه المزيد من الوقت.

***

بعيدًا عن «لعبة الاجتهادات القانونية»، فإن وقف الحرب لا يعني انتهاءها، إذ يبقى الوضع رماديًا أو غامضًا، وهو ما يشكّل ورقة أساسية في مسار الصراع القائم. المقترح الإيراني للتسوية، كما يجري الحديث عنه، يرتكز على النقاط التالية: العمل على فتح مضيق هرمز وفك الحصار القائم على الموانئ الإيرانية، وتأجيل حسم الموضوع النووي. يكون ذلك من خلال الاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم، مع تعليق العمل به لسنوات قد تتراوح بين 15 و20 سنة، إلى جانب الاحتفاظ باليورانيوم المخصّب بدرجة 60 بالمائة، الأمر الذي يسمح لإيران، في فترة قصيرة نسبيًا إذا ما شاءت، بالوصول إلى «العتبة النووية» أو قدرة دخول النادي النووي. ويجري ذلك، حسب هذا الانفتاح، مع وجود رقابة دولية، والبحث في نقل هذا اليورانيوم والاحتفاظ به في دولة صديقة، إلى جانب الاعتراف بحق إيران بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم بدرجة 3.67 بالمائة، وتحت الرقابة الدولية المعروفة، وهو ما يرفضه ترامب كليًا.

***

خلاصة الأمر أن إيران تقترح وقف النزاع والتطبيع التدريجي للعلاقات مع الولايات المتحدة عبر البوابة الاقتصادية والتجارية، مع ضمانات بتجميد أو تأجيل الملف النووي. أما ملف ما يسمى «الأذرع» الإيرانية في الإقليم، ودورها في تعزيز النفوذ الإيراني في الصراعات القائمة، فغير موجود رسميًا على الطاولة من وجهة نظر إيران، وهو من أساسيات الأجندة الأميركية. ولكن، بطبيعة الحال، إذا ما تقدمت المفاوضات بين الطرفين، فإن معالجة هذه «الورقة» في «لعبة الأمم» ستكون، حسب كل مسألة، على طاولة المفاوضات عبر صيغ مختلفة من التفاهمات غير المكتوبة.

لا يعني ذلك سهولة التوصل إلى هذه التفاهمات، التي تبقى، دون شك، ظرفية ومرتبطة بالأوضاع التي أدت أو تؤدي إلى هدنة أو تفاهم في مسار التفاعلات الصدامية والتعاونية في النقاط الساخنة في المنطقة. تفاهمات عادة ما تبقى مؤقتة، طالما لم تتغير الأولويات في لعبة التنافس والصراع المباشر أو بالوكالة في الإقليم الشرق أوسطي، حيث تتداخل الصراعات ويؤثر بعضها في بعض بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد أكد الموقف الأميركي «رفض الورقة الإيرانية»، ويبدو أن واشنطن تتجه إلى الحرب الاقتصادية بشكل خاص، عبر زيادة الحصار وتعزيزه في عملية خنق اقتصادي لإيران، كبديل عن الحرب العسكرية، من دون أن يعني ذلك إسقاط الخيار العسكري كليًا أو عدم العودة إليه.

***

نشهد اليوم هدنة عسكرية، ولكن ليس وقفًا نهائيًا للقتال، أياً تكن التصريحات في هذا المجال، مع التوجه نحو حوار الرسائل المتبادلة في مسرح الصراع، وفي مسارح مواجهات أخرى مختلفة في المنطقة. إنها مواجهة بالوكالة أيضًا، تستفيد وتتغذى من صراعات قائمة، وتغذّيها، في أشكال وصيغ مختلفة في الشرق الأوسط. إن تخفيض الصراع العسكري، ومن ضمن ذلك وقفه، وتحويله إلى مواجهة «بالأسلحة غير العسكرية»، لا يعني نهاية الصراع وتسويته أو وقف العودة إلى الخيار العسكري. فهذا الخيار الأخير قد يتم الانزلاق إليه في ظل استمرار التوتر ولعبة تبادل الرسائل على الأرض، ولو بشكل غير مباشر، أو العودة إليه بقرار واضح.

ما نشهده هو بداية تغيّر في إدارة وأنماط المواجهة القائمة، إلى حين التوصل إلى تسوية أو تفاهم يوفر الاستقرار، ويتيح الوقت للعودة إلى مفاوضات تعالج جذور الصراع الذي تحول إلى حرب قصيرة نسبيًا في حزيران/يونيو من العام الماضي، وإلى الحرب الأخيرة التي توقفت ولم تنتهِ..

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  البوسعيدي: أميركا تحتاج لمن يُخرجها من حربٍ غير شرعية
ناصيف حتي

وزير خارجية لبنان الأسبق

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  الصحافة الإسرائيلية تقرأ زيارة الشرع الأميركية.. مليئة بالألغام