من أشد المفارقات غرابة، أن ترامب يتفاوض اليوم مع النظام الذي شنّ الحرب لاسقاطه. ليس هذا فحسب، إنما هذا نظام أكثر تشدداً، ويعتقد أن نجاته من الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية المشتركة، يُعتبر انتصاراً، بصرف النظر عن الخسائر التي تكبّدها، من فقدانه المرشد السيد علي خامنئي وقيادات سياسية وعسكرية وأضرار اقتصادية كبيرة، في بلد انهكته العقوبات المفروضة عليه منذ 47 عاماً.
لا أحد يعرف على وجه التحديد ما هو النص النهائي لمذكرة التفاهم. والتسريبات من هذا الجانب أو ذاك، تعطي انطباعاً بأنها تلبي مطالب إيران وأميركا في الوقت عينه، وهذا أمر مستحيل لأن أي اتفاق يجب أن يتضمن تنازلات متبادلة من الطرفين.
يقول ترامب، إن المذكرة تُمدّد وقف النار 60 يوماً، وتوافق إيران بموجبها على فتح مضيق هرمز من دون استيفاء أية بدلات مالية، وعلى التعهد بعدم تطوير قنبلة نووية، وتسمح للولايات المتحدة باستخراج كمية اليورانيوم المخصبة بنسبة 60 في المئة المدفون معظمها تحت منشأة أصفهان، التي دمّرتها الغارات الأميركية في حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو من العام الماضي، على أن يصار إلى ترقيق هذه الكمية بالاشتراك مع إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تنفي إيران، أن تكون المذكرة تتضمن مثل هذه البنود، وتتحدث من جانبها عن قبول إيران بفتح تدريجي للمضيق في مقابل رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانىء الإيرانية، وعلى أن يشمل وقف النار “كل الجبهات” بما فيها لبنان، والإفراج عن 12 مليار دولار، دفعة أولى من الأرصدة الإيرانية المجمدة في بنوك أجنبية والبالغة قيمتها نحو مئة مليار دولار، وتتحدث أيضاً عن انشاء صندوق استثماري لإيران برأسمال 300 مليار دولار بديلاً من دفع تعويضات أميركية. وفوق هذا، لن يتم البحث في الملف النووي، إلا بعد الانتهاء من المرحلة الأولى من التفاوض التي ستتركز على فتح المضيق ورفع الحصار وانهاء حال الحرب والحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة خلال التفاوض على النووي، وهذه المرحلة مدتها 30 يوماً.
الموقع التفاوضي الأقوى.. لمن؟
والملاحظ أن ترامب يتجنب الخوض في البنود التي تُغضب إسرائيل و”صقور إيران” في إدارته والكونغرس وخارجه، ويُركّز على تلك التي تؤكد سرديته الانتصارية، وينفي مثلاً أن تكون أميركا في سبيلها إلى الإفراج عن أية أموال مجمدة قبل التوصل إلى اتفاق نووي “عظيم”، وقبل أن تُثبت طهران حسن نية في التزام ما يتفق عليه. هذا كلامٌ موجهٌ بالدرجة الأولى إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسناتورات ليندسي غراهام وتيد كروز وروجر ويكر ووزير الخارجية في ولاية ترامب الأولى مايك بومبيو. هؤلاء وصفوا ما تسرب عن مذكرة التفاهم بأنه “كارثة” ويُماثل “خطة العمل الشاملة المشتركة” لعام 2015، التي وقع عليها الرئيس سابقاً باراك أوباما. أفرج أوباما عامذاك عن مليارات الدولارات من الودائع الإيرانية، في حين أن ما هو قيد النقاش اليوم يتناول (بحسب التسريبات الإيرانية) الإفراج عن 12 مليار دولار. وهذا سبب زيارة رئيس البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي برفقة كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى الدوحة الأسبوع الماضي.
ويُحاول ترامب جاهداً أن لا يُقارن، في ضوء الصفقة، بباراك أوباما، وبأن لا تحتوي مذكرة التفاهم، التي ستفتح الباب أمام مفاوضات شاقة حول البرنامج النووي الإيراني، بنوداً مماثلة لما احتواه الاتفاق النووي عام 2015. من هنا اصرار ترامب على تصفير أو تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً على الأقل، فيما تقترح طهران مدة أقل، ويقال إنه في مفاوضات جنيف التي سبقت الحرب الأخيرة بأيام، أحرز الوفدان الإيراني والأميركي تقدماً مهماً في شأن مسألة التخصيب، وفق وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي.
اليوم، باتت إيران في موقع تفاوضي أقوى مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي. ذلك أن النظام نجا من السقوط، واستخدم ورقة مضيق هرمز سلاحاً اقتصادياً ألحق الضرر بالاقتصاد العالمي وبدول كثيرة، بينها الولايات المتحدة (ارتفاع نسبة التضخم والأسعار)، مما يُهدّد الجمهوريين بدفع كلفة سياسية باهظة في الانتخابات النصفية في الخريف المقبل.
التوازنات غير المتوقعة أميركياً أضعفت موقف ترامب في الداخل، وهوت بشعبيته إلى 37 في المئة، وأهدرت الكثير من رصيد الهيبة والمكانة اللتين حصّلهما من عملية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير الماضي، وجعلته يتردد في اطلاق عملية غزو عسكري لكوبا، والاكتفاء حتى الآن بتغليظ العقوبات، والتفاوض مع هافانا في الوقت نفسه، وصولاً إلى اصدار قاضٍ فيديرالي مؤخراً قراراً بإزالة اسم ترامب عن مركز كينيدي الثقافي في العاصمة. ترامب، كان أزال في وقت سابق اسم كينيدي عن المركز وكتب اسمه عليه!
شبح أوباما.. شبح أوباما
في ثلاثة أشهر، لا تقل تأثيرات حرب إيران عن تأثيرات حروب أميركية أخرى دامت سنوات في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق. لا تقاس النتائج فقط بما خسرته أميركا من جنود على ما اعتاد أن يفعل ترامب بسذاجة فاقعة، وإنما تقاس بالتوازنات الدولية التي تنجم عن هذه الحروب. أميركا اليوم، تحتاج إلى سنوات لترميم ترسانتها من الصواريخ الدقيقة، وأنفقت 30 مليار دولار في غضون 38 يوماً من الحرب.
ومع أن إيران تعيش أزمة اقتصادية زادت الحرب من استفحالها ولا يحظى نظامها بشعبية واسعة، لكنها في وضع تفاوضي أفضل من ترامب، الذي استهلك أسابيع، منذ وقف النار في اطلاق التهديدات والعودة عنها في اللحظات الأخيرة. هذا التخبط، يعزوه الأستاذ الفخري لدراسات الحرب في كلية كينغز بلندن لورانس د. فريدمان في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، إلى “وقوع واشنطن فريسة لمغالطة الحرب القصيرة، حيث ركّزت بشكل مفرط على قوة وسائلها في حين فقدت رؤية كيفية تحقيق أهدافها”. ويستنتج بأن “هذا يعني أن المفاوضات بين واشنطن وطهران ستبنى بشكل أقل على توازن القوة العسكرية، وأكثر من ذلك، من خلال مدى قدرة الأطراف المتحاربة على تحمل أشكال مختلفة جداً من الألم الاقتصادي. وهذا الحساب لا يُبشّر بالخير بالنسبة للولايات المتحدة”.
ويتفق مع هذا الرأي الخبير الإيراني في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حميد رضا عزيزي، إذ يقول: “هناك متشددون في الجانبين الإيراني والأميركي يعارضون بشدة أي اتفاق يُنظر إليه على أنه غير كاف للأولويات والمطالب القصوى.. أعتقد أن هذا القيد أقوى حالياً على الجانب الأميركي منه على الجانب الإيراني”.
كلما عزم ترامب على التوقيع على مذكرة التفاهم، يتبدى له شبح أوباما، فيتراجع. لكن في أفضل الأحوال لن يكون أي اتفاق يحصل عليه أفضل من اتفاق 2015؛ والدليل، هو صمت ترامب عن مطالب إسرائيلية بتحجيم القدرة الصاروخية لإيران، وانهاء الدعم الذي تقدمه طهران لحلفائها الإقليميين. وهو صمتٌ يُقابله نتنياهو بتصعيد الجبهات من لبنان إلى غزة. فكيف سيكون الحال إذا ما ألزمه ترامب بوقف النار في لبنان، بموجب مذكرة التفاهم مع إيران؟
