“هآرتس” عن اتفاق مكة: على إسرائيل أن تقلق من قوة ضغط إقليمية على ترامب

18018010/08/2026
يُقدّم تسفي برئيل، المحلل والكاتب الإسرائيلي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، قراءة للاتفاق الثلاثي السعودي الباكستاني التركي (اتفاق مكة) من زاوية ما تحاول أن تشير إليه الدول الثلاث من التزامات تعفي الولايات المتحدة من تعهداتها الحمائية لكن الأهم من ذلك أنها تُقوّض تصور إسرائيل "باعتبارها أصلاً استراتيجياً حصرياً للولايات المتحدة، بل تحويلها إلى عبء يعرقل المصالح الأميركية".

“قبل يوم واحد من توقيع الاتفاق الثلاثي، الاحتفالي والإعلامي، في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، جرى توقيع مذكرة تفاهُم أُخرى ترسم حدود التحالف الجديد ومجالاته وقيوده؛ وُقّعت المذكرة في إسلام آباد بين باكستان وإيران، وتنص على أن البلدين يطمحان إلى زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 10 مليارات دولار بحلول سنة 2030؛ كذلك ستساعد باكستان إيران على التعامل مع القيود والعقوبات المفروضة عليها بطرق عديدة.

فعلى سبيل المثال، تم الاتفاق على فتح باكستان المعابر الحدودية الستة بينها وبين إيران على مدار الساعة، والسماح باستخدام المقايضة في المعاملات التجارية بين الجانبين، كبديل من النظام المصرفي، بهدف الالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران، ونصّت المذكرة أيضاً على البحث في سبل تمكين إيران من استخدام الموانئ الباكستانية، كطريق بديل من الحصار المفروض على مضيق هرمز، وعلى الصادرات الإيرانية.

في ظل تعميق العلاقات بين البلدين، وتوسيع التعاون الاقتصادي بينهما، وحقيقة أن باكستان تُعد إحدى أبرز الدول الوسيطة بين إيران والولايات المتحدة، فمن المشروع التشكيك في قدرة التحالف الثلاثي الجديد على إقامة جدار حماية رادع في مواجهة أي اعتداء إيراني.

بل أكثر من ذلك، إن باكستان ليست الحليف التجاري الوحيد لإيران من بين الدول الثلاث؛ إذ بلغ حجم التجارة بين تركيا وإيران في سنة 2025 نحو ستة مليارات دولار، وتركيا، شأنها شأن باكستان والسعودية، لا تعتبر إيران دولةً معادية.

وحسبما ورد في البيان المشترك الذي صدر عند توقيع الاتفاق الثلاثي: “التحالف ليس موجهاً ضد أي دولة، وهو تحالف من دون تحديد عدو.” ووفقاً لإعلان النوايا الصادر عن الدول الثلاث، يهدف الاتفاق إلى “تعزيز الردع المشترك ضد أي عدوان”، كذلك ينص على أن “الهجوم على أي دولة من الدول الثلاث سيُعتبر هجوماً عليها جميعاً.” فهل يمكن لهذا الالتزام، الذي استُلهم من الالتزام الشامل للدول الأعضاء في حلف الناتو، أن يصمد أمام الاختبار العملي؟

الاتفاق ليس “حلف ناتو” عربياً

إن باكستان عضو مسجّل في كل ائتلاف أسّسته السعودية، لكنها في الواقع، تفضّل البقاء في القواعد وعدم الوقوف في الخطوط الأمامية؛ ففي آذار/مارس 2015، أسّس محمد بن سلمان، عندما كان وزيراً للدفاع، تحالفاً حربياً ضد الحوثيين في اليمن، فانضمت باكستان إلى التحالف بحماسة، لكن بعد شهر واحد، منع البرلمان الباكستاني المشاركة الفعلية في تلك الحرب.

كذلك لم تنضم إسلام آباد إلى التحالف الأميركي لحماية الملاحة في البحر الأحمر، والذي أُنشئ في كانون الأول/ديسمبر 2023. ومؤخراً، في تموز/ يوليو، أضافت توقيعها إلى التحالف الجديد الذي أسّسه بن سلمان مجدداً للهدف ذاته.

وفي غضون ذلك، يتمركز في الأراضي السعودية سرب من الطائرات المقاتلة ونحو 8000 ضابط وجندي باكستاني. ومع ذلك، وعلى الرغم من اتفاقية التعاون الاستراتيجي التي وُقّعت بينها وبين السعودية في أيلول/ سبتمبر 2025، فإن إسلام آباد لا تشارك في الهجمات على الحوثيين.

وعندما هاجمت السعودية، في أواخر تموز/يوليو، قواعد الميليشيات الموالية لإيران في العراق، رداً على إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة في اتجاه أراضيها، اكتفت باكستان بتقديم التدريب والاستشارات.

بخلاف باكستان، شاركت تركيا فعلياً في حروب إقليمية؛ فأرسلت قوات إلى ليبيا لمساعدة الحكومة المعترف بها دولياً في حربها ضد الجنرال الانفصالي خليفة حفتر؛ كذلك ساعدت أذربيجان في حربها في ناغورنو كاراباخ، ليس فقط بالأسلحة، بل أيضاً بالمدربين وضباط الدعم.

وفي سوريا، سيطرت تركيا على مناطق في شمال البلد، وقدمت دعماً استخباراتياً وعسكرياً لأحمد الشرع في عملية سيطرته على البلد، لكن من الصعب القول إن تركيا كانت ستستخدم قواتها ضد إيران في حال هاجمت الأخيرة السعوديين، وما إذا كانت ستتحرك ضد الميليشيات الشيعية؛ فحتى الآن، اكتفت تركيا بإدانة الهجمات الإيرانية وهجمات الميليشيات، وبما أنها تسعى للمشاركة في إعادة إعمار إيران بعد الحرب، فمن المستبعد جداً أن تشارك في هجمات عسكرية عليها.

ومن المهم أيضاً التذكّر أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف؛ لذلك، هي ملزمة بعدم جرّ حلف الناتو إلى حرب لا تخصه، وهي حرب ربما تجعل الحلف مضطراً إلى التدخل للدفاع عنها.

هذا الحلف ليس “حلف ناتو” عربياً، حسبما سارع محللون عرب وغربيون إلى وصف اتفاق التعاون الاستراتيجي، وليس أيضاً “تحالفاً سنّياً” ضد “المحور الشيعي”؛ فمصر ليست عضواً في الاتفاق، مع أنها تتمتع بقدرات عسكرية كبيرة، وكانت طرفاً رئيسياً في النقاشات بشأن إقامة تحالفات عسكرية إقليمية؛ وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإمارات العربية المتحدة، أو أي دولة عربية أُخرى؛ صحيح أن هذه الدول كلها دُعيت إلى الانضمام، إلّا إن الخلافات السياسية الداخلية، والفوارق العميقة في التصورات الأمنية لكلٍّ منها، والمصالح الوطنية الخاصة، والتنافس الشخصي، أمور كلها تثير شكوكاً كبيرة في فرص إقامة تحالف إقليمي شامل.

إقرأ على موقع 180  "الأزمات الدولية" تسأل عن الإتفاق السعودي-الإيراني.. وتجيب

تحالف سياسي كابح

لا تزال الجوانب العسكرية لهذا التحالف وقدرته على أداء دور قوة ردع موضع جدل، لكن لا شك في أهميته السياسية الكبيرة؛ لقد أثبتت الدول الثلاث أن لها تأثيراً كبيراً في قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي مسار الحرب مع إيران.

فالسعودية هي التي حالت دون شن الهجوم الأميركي على البنية التحتية المدنية في إيران وأجبرت ترامب على التراجع، عندما منعت استخدام القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها لهذا الغرض. ومحمد بن سلمان هو الذي أقنع الرئيس الأميركي بإضافة “مسار قابل للحياة بشأن إقامة دولة فلسطينية” إلى خطة النقاط العشرين الخاصة بغزة، ومارس ضغوطاً على ترامب، إلى جانب قطر والإمارات العربية المتحدة، لعدم مهاجمة إيران في نهاية الأسبوع الماضي.

أمّا تركيا، فهي التي أوقفت فكرة استخدام الأكراد لإطاحة النظام في إيران؛ وهي أيضاً الدولة الراعية في سورية والجهة التي ضمنت حُسن سلوك الشرع. وفي الوقت نفسه، تُعَد تركيا دولة محورية في إدارة المفاوضات مع “حماس”، التي يتوقف عليها تنفيذ خطة ترامب للسلام؛ كذلك أصبحت باكستان دولة مؤثرة بفضل قدرتها على الوساطة، وأثبتت هي أيضاً قدرتها على التأثير في قرارات الإدارة الأميركية.

وهكذا يتحول هذا التحالف العسكري إلى تحالف سياسي منسّق، لا يتمثل هدفه في الانفصال عن الولايات المتحدة، أو إقامة بديل أمني بعد خيبة الأمل منها، بل في إنشاء “تحالف كابح” يفرض توجهاته على السياسة الأميركية في المنطقة.

وهنا تكمن ملامح البنية الإقليمية الجديدة التي شُكلت كدرس مستخلص من الحرب مع إيران، ومن طريقة تعامُل ترامب معها، والهدف هو أن يتمكن هذا الثلاثي – محور الدول الثلاث – بفضل قوته العسكرية والسياسية المشتركة، من فرض قرارات على الولايات المتحدة، وعلى جميع دول المنطقة.

وضمن هذه التركيبة، فالدول الصغيرة، وإن كانت غنية، أو تمتلك أوراقاً سياسية، مثل قطر والإمارات العربية المتحدة ومصر، ستجد صعوبة في اتباع سياسة مستقلة تجاه الأميركيين.

ربما تتمكن إسرائيل من تجاهُل فعالية التحالف العسكري وإمكان تحقُّقه، لكن الاتفاق الثلاثي، باعتباره تحالفاً كابحاً وذا تأثير سياسي، يدفع إسرائيل إلى زاوية خطِرة؛ فحتى قبل قيام التحالف، اتّضحت هشاشة مكانة إسرائيل ووزنها في التأثير في قرارات الرئيس الأميركي؛ أمّا الآن، ففي أفضل الأحوال، ستكون إسرائيل منافساً آخر على أذن الرئيس، وفي السيناريو الواقعي، ستجد نفسها في مواجهة قوة ضغط إقليمية كبيرة وموحّدة في مواقفها.

والأهم من ذلك، أن هذا التحالف سيتمكن من تقديم نفسه، باعتباره قادراً على إعفاء الولايات المتحدة من التزامها المباشر بأمن الشرق الأوسط وردعه، وتقويض تصوُّر إسرائيل، باعتبارها أصلاً استراتيجياً حصرياً للولايات المتحدة، بل تحويلها إلى عبء يعرقل المصالح الأميركية.

ومن المتوقع أنه سيكون لذلك تداعيات واسعة، ليس فقط على الساحة الإيرانية، بل أيضاً على لبنان وسوريا وغزة”.

(*) المصدر: ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، نقلاً عن “هآرتس“.

Print Friendly, PDF & Email
180

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  هل تآمر أقرب حلفاء الأردن للإطاحة بملكه؟