عملياً؛ نحن أمام عقوبات تصدر عن دولة واحدة، ويُراد لها أن تُنفّذ خارج حدودها وعلى نطاق دولي، من دون أن تكون صادرة عن منظمة دولية معنية بالأمن والسلام العالميين، كمجلس الأمن الدولي. بمعنى آخر، فإن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت هو وزير في حكومة الولايات المتحدة، وليس وزيراً للمجتمع الدولي. ومع ذلك، فإن القرارات التي تصدرها وزارته يمكن أن تفرض عملياً قيوداً على شركات ومؤسسات ودول خارج الولايات المتحدة، بفعل الوزن الهائل للنظام المالي الأميركي ولا سيما الدولار في الاقتصاد العالمي. وهنا تحديداً تكمن الإشكالية المتعلقة بالعقوبات وامتداد التشريع الأميركي إلى خارج الحدود.
واستناداً إلى ذلك، يبقى السؤال عن عدد الدول التي ستلتزم بهذه العقوبات والإجراءات الأميركية، وتلك التي ستحاول رفضها أو الالتفاف عليها، ولا سيما في ظل الحوافز والضغوط التي تستطيع الإدارة الأميركية استخدامها لحمل الدول على الامتثال.
وفي نهاية المطاف، يُرجّح أن نشهد انصياع عدد غير قليل من الدول للإجراء الأميركي، ليس بالضرورة اقتناعاً به، وإنما خشية من الآثار السياسية والمالية والاقتصادية المترتبة على تحدي واشنطن، وخصوصاً في مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي تقلبات حادة في معدلات التضخم وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
لكن السؤال الأكبر يبقى: هل تستطيع إيران مقاومة هذه العقوبات؟ وإلى أي مدى يمكنها الصمود أمامها؟
في الحقيقة، العقوبات ليست جديدة على إيران، فهي تعيش تحت أشكال مختلفة منها منذ العام 1980، وتخضع منذ ذلك الحين لمنظومات متعاقبة من القيود الاقتصادية والمالية. الجديد هذه المرة هو التوقيت؛ إذ يأتي تشديد العقوبات فيما تخوض إيران مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، انتقلت من المجالين العسكري والسياسي إلى حرب اقتصادية تستهدف قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود، وتضغط بصورة مباشرة على المواطن الإيراني وعلى قدرته على تحمّل أعباء الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
في المقابل، تمتلك إيران مجموعة من عناصر القوة الاقتصادية والجيوستراتيجية التي قد تمكّنها من تخفيف آثار العقوبات الأميركية والصمود في مواجهتها، وربما تعطيل جزء من أهدافها:
أولاً؛ ليس معلوماً بعد حجم الاستجابة الدولية للإجراء الأميركي، وخصوصاً أن دولاً عدة تعارض مبدأ العقوبات الأميركية الأحادية، وترفض منح واشنطن حق فرض قواعدها الاقتصادية والمالية على بقية دول العالم.
ثانياً؛ إيران عضو في عدد من التجمعات والمنظمات الدولية الصاعدة، وفي مقدمتها مجموعة «البريكس» و”منظمة شنغهاي للتعاون”، فضلاً عن ارتباطها بأطر للتعاون الاقتصادي الأوراسي. وتكتسب هذه الأطر أهميتها من أنها تضم قوى اقتصادية وسياسية كبيرة، مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا والسعودية وجنوب أفريقيا، وتسعى، بدرجات متفاوتة، إلى تقليص الاعتماد على المؤسسات والمنظومات الاقتصادية والمالية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والغرب.
ثالثاً؛ تتمتع إيران بموقع جغرافي بالغ الأهمية؛ فهي تطل جنوباً على بحر عُمان المتصل بالمحيط الهندي، وغرباً على الخليج، وشمالاً على بحر قزوين. ولا يمثل هذا الموقع ميزة جغرافية مجردة، بل يشكل عنصراً أساسياً في قدرتها على الاتصال بالأسواق العالمية وتأمين جزء من احتياجاتها الغذائية والطاقوية واللوجستية، كما يحدّ من مخاطر العزلة الكاملة أو الاعتماد المفرط على ممر جغرافي واحد.
رابعاً؛ تمتلك إيران حدوداً برية (مع 7 دول) وبحرية (مع 8 دول)، الأمر الذي يمنحها هامشاً واسعاً للمناورة الاقتصادية والتجارية، ويُوفر لها منافذ متعددة تستطيع من خلالها تخفيف آثار القيود الأميركية، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة القدرة على تحييدها بالكامل.
خامساً؛ تمتلك إيران شبكة من العلاقات والاتفاقيات مع دول رئيسية يمكن أن تساعدها على مواجهة الضغوط الاقتصادية، وفي مقدمتها:
1ـ الصين: وقّعت إيران والصين في آذار/مارس 2021 برنامجاً للتعاون الاقتصادي الاستراتيجي لمدة 25 عاماً، بقيمة 400 مليار دولار، يشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار والتكنولوجيا. كما رفضت بكين مراراً العقوبات الأميركية الأحادية على إيران. ولا ينبغي اختزال العلاقات الصينية ـ الإيرانية في مقارنة بسيطة بين حجم السوق الإيرانية وحجم السوق الأميركية؛ فهذه العلاقة ترتبط أيضاً بحسابات استراتيجية أوسع، تشمل أمن الطاقة، والتنافس الصيني ـ الأميركي، ومستقبل التوازنات في آسيا والشرق الأوسط. ومن هذه الزاوية، لا تبدو بكين معنية بانهيار إيران أو خضوعها الكامل للضغط الأميركي.
وكان لافتاً للانتباه موقف الصين التي اعتبرت قبل يومين أن تعاونها مع إيران “يتم في إطار القانون الدولي ولا ينبغي التدخل فيه أو عرقلته”، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن بكين “تراقب التطورات عن كثب وستتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها بحزم”.
2ـ روسيا: وقّع الرئيسان الإيراني مسعود بزشكيان والروسي فلاديمير بوتين، في 17 كانون الثاني/يناير 2025، «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة» لمدة عشرين عاماً، وتشمل مجالات واسعة من التعاون، بينها الأمن والدفاع والطاقة والتجارة والتكنولوجيا والنقل ومكافحة الإرهاب والتعاون النووي السلمي. وتكتسب العلاقة مع موسكو أهمية إضافية من خبرة روسيا نفسها في التعامل مع منظومات العقوبات الغربية وتطوير آليات للالتفاف على بعضها.
3ـ الهند: ترتبط الهند بعلاقات اقتصادية واستراتيجية مهمة مع إيران، ولا سيما في مجالات النقل والطاقة والممرات التجارية. كما أن التحولات الجيوسياسية في شبه القارة الهندية قد تدفع نيودلهي إلى إعطاء العلاقة مع طهران أهمية أكبر، وخصوصاً في ضوء تقارب باكستان مع تركيا والسعودية وما يتركه ذلك من انعكاسات على حسابات الأمن القومي الهندي.
4ـ تركيا: ترتبط تركيا بدورها بعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع إيران، وتمتلك خبرة طويلة في إدارة علاقاتها الاقتصادية مع دول خاضعة للعقوبات الغربية، وفي مقدمتها روسيا. كما أن الحدود البرية المباشرة بين البلدين تجعل تركيا أحد المنافذ المهمة للاقتصاد الإيراني، وإن بقيت أنقرة حريصة في الوقت نفسه على عدم تعريض مصالحها الاقتصادية والمالية مع الغرب للخطر.
5ـ باكستان: تمتلك باكستان علاقات اقتصادية متنامية مع إيران، وهي بحاجة إلى مصادر الطاقة، وخصوصاً الغاز والنفط، فيما يوفر الموقع الجغرافي للبلدين فرصاً للتكامل في مجالات النقل والطاقة والتجارة والوصول إلى بحر العرب والمحيط الهندي.
6ـ دول الجوار: إلى جانب هذه القوى، توجد مجموعة من الدول المحيطة بإيران يمكن أن تشكل، بدرجات متفاوتة، منافذ للتبادل التجاري والاقتصادي والطاقوي، الأمر الذي يجعل فرض حصار اقتصادي محكم على دولة بهذا الحجم والموقع الجغرافي مهمة شديدة التعقيد.
وفي المحصلة، تمتلك إيران مجموعة مهمة من عناصر القوة التي تساعدها على مواجهة العقوبات الاقتصادية الأميركية وتخفيف آثارها، لكن ذلك لا يعني أن هذه العقوبات بلا تأثير أو أن طهران قادرة على تجاوزها من دون كلفة مرتفعة. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت العقوبات ستؤذي الاقتصاد الإيراني؛ فهي ستفعل ذلك بالتأكيد، وإنما ما إذا كانت قادرة على إحداث مستوى من الاختناق الاقتصادي يدفع إيران إلى تغيير خياراتها السياسية والاستراتيجية.
وهنا ربما تكمن المعضلة الأساسية في المقاربة الأميركية. فكلما اتسع نطاق العقوبات ليشمل التجارة والطاقة والنقل والشركاء الاقتصاديين لإيران، ازدادت كلفتها على طهران، لكن ارتفعت أيضاً احتمالات انتقال جزء من هذه الكلفة إلى الاقتصاد العالمي، ولا سيما إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية التي تعاني أصلاً تداعيات أزمات وحروب متلاحقة. ولذلك لن يتحدد نجاح العقوبات بحجم الضغط الذي تستطيع واشنطن إيقاعه على إيران وحدها، بل بقدرتها أيضاً على إبقاء بقية العالم ملتزماً بنظام العقوبات، وعلى منع طهران وشركائها من بناء قنوات اقتصادية ومالية بديلة. وهذه، في تقديري، ستكون المعركة الحقيقية للعقوبات الجديدة.
