ترامب يحصد العاصفة.. وإيران تعيد رسم موازين القوة

«من يزرع الريح يحصد العاصفة». هذا ما حصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد نحو عامين من اتباعه نهجاً في الحكم أشبه ما يكون بنهج أباطرة روما القديمة.

بدأ ترامب ولايته الثانية رئيساً للولايات المتحدة الأميركية بإطلاق رياح عاتية من الحروب التجارية والاقتصادية والجمركية، لم تستهدف خصوم أميركا، وفي مقدمتهم الصين، فحسب، بل طالت أيضاً حلفاءها في مختلف أنحاء الكرة الأرضية. فجاءت قراراته المتتابعة برفع الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية، ثم على منتجات الاتحاد الأوروبي مجتمِعاً، وعلى كندا، الجارة الملاصقة للولايات المتحدة.

وأتبع ذلك بشنّه حرباً ضروساً على إيران وكان المثير للسخرية أنه أعلن أن هدفه القضاء على البرنامج النووي الإيراني. وبعد اثني عشر يوماً من الهجمات الجوية والصاروخية المشتركة مع «إسرائيل» على إيران في حزيران/يونيو 2025، أعلن أنه حقق هدفه وقضى على هذا البرنامج قضاءً تاماً.

لكنه عاد وشنّ حرباً على إيران في نهاية شباط/فبراير الماضي، لتحقيق الهدف نفسه الذي سبق أن أعلن إنجازه: القضاء على البرنامج النووي الإيراني. وبطبيعة الحال، كان يخفي وراء هذا التصريح الهدف الفعلي لاستئناف الحرب، وهو إسقاط النظام الإيراني ووضع اليد على الثروات الطبيعية للبلاد.

وبين حروبه التجارية والجمركية وحربه على إيران، قرر ترامب، من دون سابق إنذار، ضم جزيرة غرينلاند الدنماركية إلى الأراضي الأميركية. وزاد على ذلك إعلانه تغيير اسم بحيرة أونتاريو الكندية إلى «بحيرة أميركا».

ثم شنّ عملية عسكرية سريعة ومفاجئة على فنزويلا، اختطف خلالها الرئيس الشرعي للبلاد، نيكولاس مادورو، وزوجته، واقتادهما إلى سجن في نيويورك، ووضع يده على الإنتاج النفطي للبلاد.

ولا يستطيع أحد أن ينسى الإذلال الذي مارسه ترامب بحق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال استقباله في البيت الأبيض، والإهانات الجارحة التي وجّهها إليه أمام عدسات آلات التصوير الصحافية. وكان قد مارس الإذلال نفسه بحق القادة الأوروبيين، بإعلانه أنه لن يقدم أي مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وأنه إذا أراد الاتحاد الأوروبي مواصلة دعمها في هذه الحرب، فعليه شراء السلاح من أميركا.

وبعد أن زرع كل تلك الرياح الهوجاء على امتداد الكوكب، لم يحصد عاصفة في الانتخابات النصفية الأميركية الأخيرة فحسب، بل حصد تسونامي ضخماً أطاح بحزبه الجمهوري من مجلسَي النواب والشيوخ بضربة انتخابية واحدة، وكل ذلك بفضل مجموعة من العوامل أبرزها نجاح إيران في حياكة سجادة الهزيمة لترامب بهدوء وتأنٍّ، عبر صبرها وصمود نظامها في مواجهة أعتى قوة عسكرية في العالم، تساندها قيادة يمينية فاشية في «إسرائيل»، تنفّذ أوامر واشنطن.

ويُسجل لإيران أنها استخدمت الجغرافيا السياسية سلاحاً مدمراً، ليس ضد ترامب وأميركا فحسب، بل أيضاً ضد الاقتصاد العالمي من خلال التحكم بمضيق هرمز. هنا وقع ترامب في الكمين الاستراتيجي الذي نصبته له إيران. وبدلاً من الالتزام بمضمون مذكرة التفاهم التي تم توقيعها في حزيران/يونيو الماضي، أخذ ترامب بنصيحة مستشارين يمينيين لديه، وبنصيحة حليفه نتنياهو، واتجه نحو التصعيد ضد إيران، ولكن ليس عسكرياً هذه المرة، بل اقتصادياً، عبر إعلانه فرض حصار بري وبحري وجوي عليها.

غير أن الجغرافيا السياسية نفسها كانت تعمل لمصلحة إيران. فهي تملك مساحة جغرافية تبلغ 1.648 مليون كيلومتر مربع، ولها حدود برية وبحرية مع 15 دولة، تربطها بها مصالح كثيرة. وبالتالي، فإن النتيجة التي يتوخاها ترامب من هذا الحصار تحتاج إلى فترة زمنية طويلة، لم يكن يملك ترف انتظارها قبل الانتخابات النصفية في بلاده. وزاد الطين بلة قرار أنصار الله في اليمن برفض استمرار منطق الحصار والتجويع، ما أدى إلى وقوع السعودية في فخ قصف مطار صنعاء، قبل أن يرتد الأمر عليها بشكل عنيف ما أدى إلى إغلاق عدد من مطاراتها وتعطيل جزء من إنتاجها النفطي، إضافة إلى تعطيل حركة مرور سفنها في مضيق باب المندب. وأدى ذلك إلى مزيد من الارتفاع في أسعار النفط، وإلى زيادة الضغط على الاقتصاد العالمي، وفي مقدمته الاقتصاد الأميركي.

أمام هذه الوقائع، عمل الزمن لمصلحة الصمود الإيراني. فقد بدأت أوروبا برمتها تغرق في موجة عارمة من غلاء المعيشة والبطالة والتضخم الاقتصادي، نتيجة الكلفة العالية التي كانت تتكبدها في دعم أوكرانيا من جهة، وارتفاع أسعار المحروقات الناجم عن إغلاق مضيق هرمز من جهة أخرى.

وقد استتبع ارتفاع أسعار المحروقات ارتفاعاً في أسعار مختلف السلع الاستهلاكية. وتسبب ذلك كله في انطلاق أوسع حملة احتجاجات شعبية اجتاحت العواصم الأوروبية، واستنهضت القوى اليسارية التي كانت في سبات عميق أمام المد اليميني الذي شهدته القارة العجوز خلال السنوات القليلة الماضية.

ولم يسلم بنيامين نتنياهو من نتائج هذه الحرب. فقد جاءت نتائج الانتخابات «الإسرائيلية، مخيبة لآمال زعيم الليكود برغم الدعم العلني الذي تلقاه من حليفه ترامب عشية الانتخابات، وها هو غادي آيزنكوت، الذي ينتمي إلى اليمين “الإسرائيلي” نفسه، يُصبح رئيس حكومة مكلفاً بأكثرية 67 صوتاً بينها أصوات النواب الـ 19 في القوائم العربية.

إقرأ على موقع 180  السلاح في العقيدة العسكرية.. كيف تطوّرت نظرياته السياسية؟

بعد هذا العرض السريع، يُطرح السؤال الكبير: هل ستدفع نتائج الانتخابات النصفية ترامب إلى تصعيد عسكري ضد إيران، وتدفع حليفه «الإسرائيلي» نتنياهو إلى تصعيد عسكري ضد لبنان؟

إن قدرة ترامب على تجديد حربه العسكرية على إيران، بعد النتائج المخزية التي حصل عليها في الانتخابات، باتت محدودة جداً. وليس ذلك لأن الحزب الديمقراطي، الفائز بمجلسَي الشيوخ والنواب، حزبٌ محبٌ للسلام أو مؤيد للقضية الفلسطينية، بل لأن تغطيته لتجديد الحرب ستطيح بكل ما أنجزه في الانتخابات، وتقضي على آمال حزبه الجمهوري في الفوز بالانتخابات الرئاسية بعد عامين.

كما أن مواصلة الحرب ستعني المزيد من غلاء المعيشة في أميركا وبقية أنحاء العالم، ولن تمنح ترامب أي نتيجة يتوخاها. بل على العكس، فإن توصله إلى تسوية ما مع إيران من شأنه أن يحد من خسائره وخسائر حزبه، وأن يتيح له العمل خلال العامين المقبلين على ترميم ما دمّره في العامين السابقين.

هذه الإجابة تستند إلى العقل والمنطق. لكن ترامب، على مدى السنوات الأربع من ولايته الرئاسية الأولى والعامين الأولين من ولايته الثانية، أثبت أنه لا يعمل وفق العقل والمنطق، بل وفق نرجسية هوجاء تشكّل «الأنا» فيها محور الكون.

ومع ذلك، فإن قدرته على مواصلة الحرب من دون غطاء مجلسَي النواب والشيوخ تعترضها عوائق كثيرة، أبرزها كيفية تغطية الكلفة المالية لهذه الحرب من دون موافقة المجلسين.

ختاماً، لا بد من القول إن إيران أثبتت، بصمودها، أنها تذبح عدوها بالقطنة. وإن أي تسوية لإنهاء الحرب الأميركية عليها ستكون وفق شروطها، وترجمة فعلية، وأكثر تشدداً من الجانب الإيراني، لتنفيذ مذكرة التفاهم التي وقّعتها مع أميركا قبل بضعة أشهر، ثم انقلب عليها ترامب.

وفي هذا صفعة كبيرة لفريق من السلطة اللبنانية راهن على دعم ترامب له، وذهب بعيداً في سياسة تقديم التنازلات المجانية والعبثية لـ«إسرائيل»، فلم يحصد إلا الخيبة والخذلان.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  حين يهدمون البيوت الجنوبية.. أية ذاكرة يُلملم أطفالنا؟