البحر الأحمر.. خريطة القواعد في زمن التنافس الصامت (5)

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر بحري يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، بل تحوّل تدريجياً إلى أكثر الممرات البحرية عسكرةً في العالم. على امتداد ضفتيه، من خليج العقبة شمالاً إلى باب المندب جنوباً، تتزايد القواعد والمنشآت العسكرية، لا بوصفها ترتيبات دفاعية فقط، بل كنقاط ارتكاز لمشاريع نفوذ أوسع تربط الأمن بالتجارة، والجغرافيا بالسياسة، والبحر بمستقبل النظام الإقليمي.

هذا التحوّل يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية والدولية بأنّ السيطرة على الممرات المائية لم تعد مسألة تقنية تخص القوات البحرية، بل رهاناً على موقع هذه الدولة أو تلك في الاقتصاد العالمي.

وفي عالم تهتزّ فيه سلاسل الإمداد وتتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، يغدو البحر الأحمر شرياناً حيوياً مكشوفاً، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، كما أظهرت الأزمات المتكررة في قناة السويس والتوترات الأخيرة حول الملاحة قرب باب المندب.

الضفة الشرقية

وعلى الضفة الشرقية الأسيوية، تعيد السعودية منذ سنوات تعريف علاقتها بالبحر الأحمر. المملكة، التي ظل تركيزها التاريخي موجهاً نحو الداخل وحدودها الشرقية، بدأت مع إطلاق “رؤية 2030” في نقل جزء من مركز الثقل الاقتصادي والعمراني نحو الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر. قواعد الأسطول الغربي في جدة وينبع، والمنشآت الأمنية المرتبطة بمشاريع كبرى مثل “نيوم” و”أوكساغون”، لا تُعامَل فقط كمنشآت عسكرية، بل كعناصر في تصور جديد للسعودية كقوة لوجستية وصناعية عابرة للقارات. في هذا السياق، يصبح أمن البحر الأحمر شرطاً ضمنياً لنجاح التحول الاقتصادي، لا ملفاً أمنياً منفصلاً يمكن عزله عن خطط التنمية.

اليمن، عند خاصرة باب المندب، يُقدّم المثال الأوضح على تداخل المحلي بالإقليمي والدولي. المنشآت العسكرية في عدن والمخا، وقاعدة العند الجوية، لم تعد مرتبطة فقط بموازين القوى داخل حرب أهلية ممتدة، بل تحوّلت إلى أدوات في صراع أوسع على التحكم ببوابة العبور بين البحر الأحمر وبحر العرب. هنا، تتحول الجغرافيا اليمنية من عبء أمني إلى أصل استراتيجي تتعامل معه قوى إقليمية متعددة، كل وفق رؤيتها لمستقبل الممرات البحرية ودورها فيها، وفي القلب من ذلك الصراع موقع الحوثيين وعلاقتهم بإيران وما يرافقها من تأثير مباشر على أمن الملاحة.

الضفة الغربية

على الضفة الغربية الإفريقية للبحر الأحمر، يبدو المشهد أكثر ازدحاماً. مصر، التي تنظر إلى قناة السويس بوصفها شرياناً اقتصادياً وأمنياً لا بديل عنه، رسخت حضورها العسكري جنوب القناة عبر قاعدة برنيس العسكرية على البحر الأحمر. هذه القاعدة تعكس تحولاً في التفكير الدفاعي المصري، من حماية الممر المباشر للقناة إلى تأمين عمق بحري يمتد جنوباً نحو مدخل البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالقاهرة تدرك أنّ أيّ خلل في أمن باب المندب أو السواحل المقابلة يُمكن أنْ ينعكس سريعاً على القناة، حتى في غياب تهديد مباشر لها.

في السودان، يظل الاتفاق على إنشاء منشأة دعم لوجستي بحرية روسية في بورتسودان معلقاً بين التنفيذ والتجميد. بالنسبة لموسكو، يمثل البحر الأحمر فرصة نادرة للوصول المنتظم إلى “المياه الدافئة” وتعزيز الحضور البحري في ممر ظلّ لعقود بعيداً عن نفوذها المباشر. أما بالنسبة لدول المنطقة، فيثير هذا الطموح أسئلة إضافية حول مستويات العسكرة في حيز جغرافي محدود أصلاً، وحول كيفية تكيّف الخرطوم المنقسمة سياسياً مع تنافس قوى خارجية على شواطئها.

يبدو البحر الأحمر اليوم أشبه بصورة مصغّرة عن نظام دولي في طور تشكّله. ثمة تعددية قطبية غير مستقرة تتراجع فيها قواعد اللعبة القديمة وتتزايد فيها قيمة الجغرافيا بوصفها لغة السياسة الأبرز. هنا، لا تُقاس القوة بعدد القواعد العسكرية فحسب، بل بالقدرة على الربط بين الأمن والاقتصاد، بين العسكر والتجارة، وبين حماية الممرات. وبينما تتكاثر القواعد على ضفتيه، يظل البحر الأحمر مرآة لتحولات أعمق من مياهه الضيقة، تمتد آثارها إلى شكل النظامين الإقليمي والدولي في السنوات المقبلة

غير أنّ جيبوتي تبقى العقدة الأكثر دلالة في هذه الخريطة. ففي مساحة جغرافية ضيقة عند مدخل باب المندب، تتجاور قواعد أميركية وصينية وفرنسية ويابانية وإيطالية، في مشهد يلخّص التنافس العالمي على البحر الأحمر. الولايات المتحدة تحافظ على وجودها عبر “كامب ليمونيه”، الذي تطور من موقع لدعم العمليات في الصومال واليمن إلى مركز لعمليات مكافحة الإرهاب ومراقبة الملاحة في منطقة أوسع. الصين، من جهتها، ترى في قاعدتها هناك امتداداً طبيعياً لمصالحها التجارية ولمبادرة “الحزام والطريق”، وأول موطئ قدم عسكري دائم لها خارج آسيا. وبين هذين القطبين، تواصل القوى الأوروبية واليابان تثبيت وجود يضمن لها مقعداً في معادلات الأمن البحري الجديد.

تركيا واستراتيجية “النفوذ المرن”

إلى الجنوب، تبرز إريتريا وأرض الصومال المعلَنة من جانب واحد كنقاط تماس بين الطموحات الإقليمية والحسابات المحلية. قاعدة عصب في إريتريا، التي استخدمتها الإمارات خلال سنوات حرب اليمن، كشفت كيف يمكن لدولة متوسطة الحجم أنْ توسع مجال حركتها عبر الاستثمار في الموانئ والقواعد خارج حدودها. وفي بيربيرا، تحوّل الميناء والمنشآت المحيطة به، في ظل استثمارات إماراتية متزايدة، إلى جزء من معادلة أوسع تتداخل فيها رهانات التنمية المحلية مع حساسية الدول المجاورة من أيّ حضور عسكري أو استخباراتي أجنبي إضافي قرب باب المندب، بما في ذلك الحديث المتكرر عن إمكان وجود إسرائيلي أو غيره في هذه النقاط الحساسة.

إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": إسرائيل تدفع بالسعودية إلى أحضان إيران!

في هذا المشهد المكتظ، تبرز تركيا كلاعب يتبع مساراً مختلفاً. فهي لا تمتلك اليوم قاعدة عسكرية عاملة مباشرة على ساحل البحر الأحمر، لكنّها رسخت حضورها على مقربة من طرق الملاحة المؤدية إليه عبر قاعدة تدريب عسكري كبيرة في مقديشو تُعد من أكبر قواعدها العسكرية الخارجية. هذا التموضع يمنح أنقرة نفاذاً غير مباشر إلى جنوب البحر الأحمر وخطوط الإمداد المرتبطة به، ويتيح لها التأثير في معادلاته من الخلف، عبر بناء نفوذ داخل الدول المطلة عليه لا عبر السيطرة المباشرة على الموانئ.

إلى جانب ذلك، سعت تركيا في مرحلة سابقة إلى تعزيز حضور رمزي ومحتمل على البحر الأحمر عبر اتفاق مع حكومة عمر البشير لتطوير جزيرة سواكن السودانية، وهو مشروع أثار آنذاك قلقاً إقليمياً قبل أنْ يتجمّد عملياً بعد التغيير السياسي الذي حصل في الخرطوم وأطاح بالبشير. تعكس هذه المقاربة التركية ما يمكن وصفه باستراتيجية “النفوذ المرن”: مزيج من اتفاقات تدريب، شراكات أمنية، وحضور سياسي–اقتصادي، يسمح لأنقرة بالمناورة بين المحاور المتنافسة من دون تحمّل كلفة شبكة قواعد صلبة مشابهة لتلك التي تبنيها قوى أخرى.

صورة مصغرة عن النظام الدولي

في الخلفية، تتحرك قوى لا تمتلك بالضرورة قواعد معلنة على البحر الأحمر لكنها حاضرة بطرق أخرى. إسرائيل تنظر إلى البحر الأحمر، عبر ميناء إيلات وما حوله، بوصفه امتداداً لأمنها البحري وخط إمداد حيوياً، خصوصاً في مواجهة أيّ نفوذ معادٍ محتمل قرب باب المندب أو على السواحل المقابلة. إيران، بدورها، تعتمد استراتيجية حضور غير مباشر، عبر حلفاء ووكلاء كجماعة “أنصار الله” (الحوثيون) في اليمن، وعبر شبكات تهريب بحرية، ما يمنحها قدرة على التأثير في أمن الممر من دون تحمّل كلفة قواعد رسمية أو مخاطر مواجهة بحرية مفتوحة.

كل هذه الطبقات من الحضور العسكري والأمني تطرح سؤالاً مركزياً حول طبيعة الأمن في البحر الأحمر: هل تؤدي هذه العسكرة المتسارعة إلى استقرار الممر وحماية حركة التجارة، أم تجعل أيّ حادث محدود شرارةً لأزمة أوسع؟

من منظور الدول المعنية، تبدو القواعد ضمانة لحماية المصالح وردع الخصوم. لكن من منظور أوسع، فإن كثافة القوى العسكرية في ممر ضيق وذي أهمية استراتيجية عالية تزيد من احتمالات الاحتكاك غير المقصود، وتحوّل البحر الأحمر إلى مساحة اختبار دائمة لتوازنات هشة، كما أظهرت أزمات الملاحة الأخيرة والردود البحرية المتقابلة عليها.

في المحصلة، يبدو البحر الأحمر اليوم أشبه بصورة مصغّرة عن نظام دولي في طور تشكّله. ثمة تعددية قطبية غير مستقرة تتراجع فيها قواعد اللعبة القديمة وتتزايد فيها قيمة الجغرافيا بوصفها لغة السياسة الأبرز. هنا، لا تُقاس القوة بعدد القواعد العسكرية فحسب، بل بالقدرة على الربط بين الأمن والاقتصاد، بين العسكر والتجارة، وبين حماية الممرات. وبينما تتكاثر القواعد على ضفتيه، يظل البحر الأحمر مرآة لتحولات أعمق من مياهه الضيقة، تمتد آثارها إلى شكل النظامين الإقليمي والدولي في السنوات المقبلة.

(*) راجع الجزء الأول بعنوان: إرهاصات الشرق الأوسط الجديد.. بوابات البحر الأحمر

(*) راجع الجزء الثاني بعنوان: لعبة الممرات البحرية.. من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي

(*) راجع الجزء الثالث بعنوان: الصراع الإماراتي السعودي.. من شرارة المكلا إلى تفكك أسطورة “محور الاستقرار” 

(*) راجع الجزء الرابع بعنوان: الصراع الإماراتي السعودي.. من باب المندب إلى نيوم وجبل علي

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  المواجهة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية: من يقول "آخ" أولاً؟