بين “الفيتو” السعودي والانتخابات النيابية.. أين يقف سعد الحريري؟

لم تكن الذكرى الواحدة والعشرون لاغتيال الرئيس رفيق الحريري كسابقاتها في الأعوام الستة الماضية، ولو أن المشهد كان نفسه لجهة الحشود الشعبية قرب الضريح في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، والرئيس السابق سعد الحريري مع أفراد العائلة يقرأون الفاتحة والدمعة في عينيه، والهتافات التي رافقت المشهد كموسيقى تصويرية («بالدم بالروح نفديك يا شيخ سعد»)، وأعلام تيار المستقبل الزرقاء هي نفسها ترفرف تحت رذاذ المطر، ولكن المتغير الوحيد هو خطاب الحريري نفسه.

كان سعد الحريري، ومنذ أزمته مع المملكة العربية السعودية عام 2017 و”الفيتو” الذي رَفعته في وجه مشاركته في العمل السياسي، قد أخرج نفسه وتياره من المشهد السياسي اللبناني، وأعلن اعتكافه إلى أجل يحدده وفق مبدأ قاله أكثر من مرة: «كل شي بوقتو حلو». وعلى ما جاء في خطاب الحريري، لم يتأكد بعد إن كان «الحلو» قد أتى وقته، لا سيما وأن حضوره في بيروت لن يتعدى الأسبوع الواحد، وفي الوقت نفسه، لم يعلن إن كان عاد عن اعتكاف تياره أم لا، وإن كان قد لمّح بالعودة للمشاركة في الانتخابات النيابية المقررة بعد ثلاثة أشهر، وذلك بقوله إن أصوات حزبه ستُسمع في الانتخابات وسيتم عدّها. وهنا يكمن غموض العبارة، فسماع الأصوات وعدّها لا يعني المشاركة في الترشيح أيضًا، ولو أن هذه الفرضية هي الأعلى حتى الآن.

الأمر الوحيد الذي كان واضحًا في خطابه، إلى جانب الشق العاطفي لشد عصب جمهوره، هو أنه شكّك في إجراء الانتخابات في موعدها. فهل ستُجرى الانتخابات في موعدها؟ وهل سيشارك تيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري فيها، ترشحًا واقتراعًا؟

إن الإجابة على السؤال الأول تميل كثيرًا إلى الإيجابية، لا سيما بعد أن أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري ترشحه رسميًا. وكما هو معروف، فإن بري لا يُقدم على خطوة بهذا الحجم لو لم يكن قد هيأ الظروف اللازمة لها، وتحديدًا مع رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي سبق أن أعلن أنه سيدفع بكل جهده لإجراء الانتخابات في موعدها. كما أن سابقة إجراء الانتخابات البلدية، وهي الأكثر تعقيدًا من الناحية اللوجستية، قد جرت بسلاسة في أكثر من 1200 بلدية على كل الأراضي اللبنانية في العام 2025، ولم يكن قد مرّ على تولي عون منصبه سوى خمسة أشهر. فإن حصل أي تأجيل للانتخابات النيابية، سيُعتبر بمثابة انتكاسة للعهد الذي يُفترض أن يمتد إلى خمس سنوات قادمة.

وإذا كان عون قد شدّد على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها في أيار/مايو المقبل، فذلك يعني أن الراعيين الأمريكي والسعودي يُفترض أن يكونا في الجانب المؤيد لهذا الأمر من دون تردد أو إبطاء. أما رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يتهمه البعض بأنه يسعى إلى تأجيل الاستحقاق البرلماني لأنه لا يضمن بقاءه في منصبه إن جرت هذه الانتخابات، فإن واقع الأمر أنه يفضل إجراء الانتخابات على اتهامه بهكذا تهمة من جهة، كما أنه يتموضع تحت سقف الراعيين نفسيهما اللذين أتيا به رئيسًا للحكومة من جهة ثانية.

وبالعودة إلى السؤال الثاني بشأن مشاركة الحريري وتياره في الانتخابات، من الواضح أن الحريري حاول خلق مناخ ضاغط على صناع القرار الدولي والإقليمي، وتحديدًا السعودية، لجهة تظهير نفسه قوة شعبية لم تنتقص منها سنوات الاعتكاف المنصرمة، لا سيما أن أحدًا في الطائفة السنية لم يستطع ملء الفراغ الذي تركه هذا الاعتكاف. ولكن يبدو واضحًا أن صاحب قرار “الفيتو” السعودي، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لا يأبه لهذا الفراغ ولا للحشودات الشعبية ولا للهتافات. فعلى مدى السنوات السبع المنصرمة، وبالرغم من الفراغ القيادي في الطائفة السنية، وبالرغم من الحشودات الشعبية المماثلة في هذه الذكرى كل عام، فإن كل النواب السنة التزموا بما يمليه عليهم القرار السعودي بلا تردد. وما انقلاب الكثيرين منهم خلال ساعات معدودة على الرئيس نجيب ميقاتي لمصلحة تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة إلا مثالًا طازجاً على ذلك.

البدائل.. تغطية وتمويلاً

يحتاج سعد الحريري إلى أمرين مهمين لخوض الانتخابات النيابية: الغطاء السياسي العربي والتمويل. وعلى مدى العقود الثلاثة المنصرمة، كانت السعودية تؤمن له ولوالده من قبله هذين الأمرين بسخاء قلّ نظيره. ولكن مع “الفيتو” السعودي المستمر منذ حوالي العقد من الزمن، لم يتجرأ الحريري على محاولة كسر موقف المملكة وولي عهدها من جهة، ولم تعمل أية جهة عربية أو دولية على كسر أو تعديل موقف السعودية من جهة أخرى.

ولكن اليوم، وفي ظل الخلاف السعودي الإماراتي المتمادي، لا بد أن تكون الإمارات قد أخذت بالاعتبار إمكانية رعاية الحريري واللعب في الملعب السياسي اللبناني خلافًا للرغبة السعودية ولكن بدعم أمريكي. وقد ظهرت أولى بوادر ذلك من خلال قرارها تمويل ترميم المباني المهددة في مدينة طرابلس الشمالية.

يعرف الحريري أن موضوع تحدي السعودية غير وارد لديه، كما أنه كان واضحًا في خطابه أنه لن يكون جزءاً من الخلافات الخليجية أو العربية، في إشارة إلى الخلاف السعودي الإماراتي. لذلك فقد لجأ إلى التشكيك في إجراء الانتخابات في موعدها كأحد أشكال الهروب من إعلان موقف حازم حيال مشاركته الشخصية إلى جانب تياره في هذه الانتخابات ترشيحًا واقتراعًا، إذ من الواضح أنه لم ينجح في رفع “الفيتو” السعودي عنه حتى الآن.

إقرأ على موقع 180  الفرصة السورية والبوابة الإماراتية.. ماذا بعد؟

لذلك فإن ما يتبدى في مشهدية المهرجان أن الحريري قد يكون سعى لاكتساب المزيد من الوقت عسى أن يكون كفيلاً بمعطياته المتحركة في تغيير أو تعديل الموقف السعودي منه بوساطة أمريكية أو فرنسية أو تركية أو مصرية أو قطرية. أما الاحتمال الثاني، فإنه قد يكون قرر إدخال تيار المستقبل، من دونه هو شخصيًا، في معترك الانتخابات بقيادة عمته السيدة بهية الحريري، التي سارع بعد المهرجان إلى تنصيبها نائبًا لرئيس تيار المستقبل.

هذه الخطوات ما هي إلا مجرد إعلان نوايا عن الجهوزية لخوض غمار الانتخابات، ولكن ما لم يحسم الحريري موقفه من الإقصاء السعودي وبدائله (تغطية سياسية وتمويلاً)، سيجد نفسه مجددًا عائدًا إلى أبو ظبي لمواصلة عمله في الاستثمارات التجارية، تاركًا تياره السياسي على قارعة الانتخابات يتنازعه المرشحون واللوائح، وبينهم أعضاء متمردون في تيار المستقبل نفسه.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  منصة "كاريش".. فرصة إسرائيلية ـ أميركية، ماذا عن لبنان؟