هدنة تحت النار.. اختبار مبكر للمذكرة الأمريكية-الإيرانية

داهمت التحديات والشكوك، بأسرع من أيّ توقّع، مذكرةَ التفاهم الأمريكية الإيرانية، التي أوقفت بمقتضاها إحدى أخطر الحروب في الشرق الأوسط، كأن حقول ألغام انفجرت مرة واحدة.

لم يكن مفاجئًا، على أيّ نحو ولا بأيّ قدر، أن تعمل إسرائيل على تخريب ما جرى الاتفاق عليه، ومنع إيران من إحراز أية مكاسب استراتيجية واقتصادية جراء صمودها وتضحياتها أمام العدوان عليها.

أرادت أن ترسم مبكرًا، وفق رؤيتها الأمنية، قواعد الاشتباك الجديدة، أو أن تحتفظ لنفسها بما تسميه الحق في حرية الحركة داخل الأراضي اللبنانية، تقتيلًا وتهديمًا واحتلالًا إضافيًا بذريعة حماية أمنها وتفكيك المقاومة المسلحة.

كسرت، بغارات مكثفة، أيّ التزام بوقف إطلاق النار، وبدت مستعدة لأن تمضي في التوسع داخل الأراضي اللبنانية، دون أدنى اعتبار لما وقعت عليه واشنطن للتو باسم «حلفائها»، الذي يقضي، في ثلاثة مواضع، بوقف الحرب على لبنان.

لوهلة، بدا الصدام بين الحليفين، الأمريكي والإسرائيلي، على وشك أن يفلت من نطاق السيطرة.

جرت حملات إسرائيلية منظمة ضد الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، على لسان أركان في الحكومة، وصفت المذكرة الموقعة بأنها كارثية واستسلام أمام إيران.

كان ذلك داعيًا إلى ردّات فعل غاضبة من البيت الأبيض.

قال «ترامب» إنه: «لولا وجودي لما تمكّنت إسرائيل من البقاء».

هكذا بالحرف.

أخذ نائبه «جي. دي. فانس» يذكّر بالدور الذي لعبته الولايات المتحدة في دعم إسرائيل عسكريًا واستراتيجيًا في كافة الحروب التي تخوضها الآن.

جرى تهديد «فانس» من قيادات نافذة في الحزب الجمهوري بأنه قد يخسر، بعد عامين، فرصه في الترشح للرئاسة الأمريكية، لكن الحقائق الجديدة قالت كلمتها.

لم يعد لإسرائيل الوزن السياسي الذي تمتعت به قبل حربَي الإبادة والتجويع في غزة.

هكذا اضطرت إلى شيء من التراجع، لكنها سوف تعود تاليًا إلى ما اعتادت عليه طلبًا للتوسع والهيمنة على مقدرات المنطقة، وبخاصة في لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة.

لم يصدر ذلك التراجع الاضطراري عن فراغ.

إنها إيران وإدارتها للتفاوض.

طرحت ورقة إعادة إغلاق مضيق هرمز إذا ما استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وقد كسبت تلك الجولة.

معنى إغلاق المضيق مجددًا الإضرار الفادح بالاقتصاد العالمي وفرصه في التعافي والانتعاش.

كانت تلك معادلة ردع جديدة.

ضمان فتح المضيق مقابل وقف الحرب على لبنان.

كما لوّحت بعدم الذهاب إلى سويسرا لبدء مفاوضات الستين يومًا للتوصل إلى اتفاق بشأن الملفات الأكثر حساسية وخطورة، ضاغطةً على أعصاب الإدارة الأمريكية، التي تتعرض لهجمات سياسية وإعلامية ضارية من اتجاهات متناقضة: اللوبي الصهيوني، والجناح اليميني الأكثر تشددًا في الحزب الجمهوري، فضلًا عن الحزب الديمقراطي والصحافة الأمريكية.

كان ذلك تحديًا مبكرًا لمستقبل التفاوض الأمريكي الإيراني.

«إيران مُنيت بهزيمة عسكرية كاملة»، حسب تأكيد لا يكف «ترامب» عن ترديده بمناسبة أو بغير مناسبة، دون أن يكون مُصدَّقًا.

نصوص المذكرة عامة وفضفاضة وقابلة للتأويل حسب موازين القوى.

الأرجح أن يحاول المفاوض الأمريكي الضغط بكل الطرق المتاحة، للحصول على تنازلات إيرانية تضفي شيئًا من الصدقية على ادعاءاته.

أهم إنجازات الحرب بالنسبة لإدارة «ترامب» إعادة فتح مضيق هرمز، الذي لم يكن مغلقًا قبلها.

لماذا كانت الحرب إذن؟

الأسوأ أن المقارنات التي أُجريت بين المذكرة والاتفاق الذي أقره الرئيس الأسبق «باراك أوباما» عام 2015، وألغاه «ترامب» عام 2018، لا تدع مجالًا لأيّ ادعاء بأنه وقّع اتفاقًا أفضل.

هذه هي الحقيقة التي تفرض نفسها على المساجلات الأمريكية المحتدمة قبيل انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

وفق «ترامب»، فإنه حصل على تعهد إيراني بعدم إنتاج السلاح النووي.

لم يكن ذلك التعهد جديدًا حتى يمكن اعتباره تنازلًا إيرانيًا.

على مدى سنوات طويلة، أكدت طهران أنها لا تسعى لإنتاج سلاح نووي، بل إن المرشد الراحل «علي خامنئي» حرّم، في فتوى شرعية، أيّ توجه لإنتاج مثل هذه الأسلحة.

عقدة «أوباما» جانب في الصورة، لا الصورة كلها.

إذا كانت هذه هي المحصلة، فلماذا كانت الحرب؟

هنا تبرز عقدة أخرى يلخصها سؤال حرج بدأ يطرح نفسه في واشنطن:

من يصنع السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط: البيت الأبيض أم الحكومة الإسرائيلية؟ «ترامب» أم «بنيامين نتنياهو»؟

بصياغة أخرى، هل باتت إسرائيل عبئًا على الولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية والاقتصادية؟

السؤال بذاته يعكس تعقيدات الصورة وما قد يحدث غدًا في المفاوضات الوشيكة.

«أمريكا تخشى الحرب وإيران تخشى الاتفاق».

كان ذلك توصيفًا لافتًا لوكالة “تسنيم” الإيرانية قبيل التوصل إلى مذكرة التفاهم.

الشق الأول يفسره اتساع نطاق المعارضة الأمريكية للحرب والانخراط فيها دون مصلحة واحدة، والتراجع الفادح في شعبية «ترامب»، كما لم يحدث لرئيس أمريكي سابق.

والشق الثاني يعود إلى الخشية الإيرانية من خسارة النتائج السياسية لتضحياتها الهائلة في الحرب على موائد التفاوض، أو الاضطرار إلى تقديم تنازلات جوهرية في الملف النووي بالذات.

إقرأ على موقع 180  الترسيم البحري.. وسيناريوات الرد الإسرائيلي على حزب الله

هذا يفسر، إلى حد كبير، الحذر من التفاوض وضغوطه المحتملة.

المكاسب الاقتصادية تطرح نفسها – هنا – كورقة تفاوضية.

من ناحية، البلد منهك تمامًا، ومصلحته أن يعمل على تخفيض الاحتقانات الاقتصادية والاجتماعية، التي استبقت الحرب مباشرة، وكادت تهدد النظام في وجوده، لولا الحرب التي وحدته واستنفرت إرثه الوطني والحضاري في مواجهة العدوان عليه.

غير أنه، من ناحية أخرى، يدرك الإيرانيون أن الإدارة الأمريكية سوف تعمل على مقايضة كل دولار يُضخ في خزانة البلد بقائمة مطالب تنال من حرية قراره ودوره الإقليمي.

لا شيء من أمواله المجمدة سوف يستعيده مجانًا.

إنها حرب أخرى على موائد التفاوض هذه المرة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": معنى أن تكون إسرائيل "كريمة" حدودياً مع لبنان!