تابع الحوثيون تقدمهم ليحكموا سيطرتهم على باب المندب الاستراتيجي الرابط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. وفي اليوم التالي، انطلقت مسيّرات من الأراضي العراقية لتضرب خط أنابيب النفط الذي يربط شرق السعودية بغربها وصولاً إلى ينبع على البحر الأحمر، ما أخرج من الخدمة خطاً كان يُوفّر 4 في المئة من احتياجات العالم النفطية يومياً. ولا يعرف على وجه التحديد كم ستسغرق عملية اصلاحه. وقفزت أسعار النفط فوراً إلى فوق المئة دولار بعد التهديد الواضح للمنشآت النفطية السعودية من جهة باب المندب ومن جهة العراق.
وبرغم الهزة الجديدة في أسواق النفط، التي نقلت المبادرة إلى يد إيران في النزاع، الذي يقترب من اتمام شهره السابع، اتسم رد الفعل الأميركي بالهدوء، ورفض الرئيس دونالد ترامب طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالمساعدة، مشيراً إلى اتصالات مباشرة مع الحوثيين الذين أكدوا أنهم لن يتعرضوا للسفن الأميركية العابرة لباب المندب، وأنهم متمسكون بالتهدئة التي توصلوا إليها مع الولايات المتحدة في 2025، بعد أسابيع من القصف الأميركي على شمال اليمن.
ماذا تعني المهادنة الأميركية؟
تعني التهدئة ببساطة أنّها مؤشر على أن ترامب غير عازم على توسيع الحرب، في وقت يدرس الخيارات المتاحة للخروج من المستنقع الإيراني. وإلى أن يتوصل إلى الخطوة المقبلة، يكتفي الآن بالحصار البحري، وتشديد العقوبات المالية، وملاحقة البنوك العالمية، باستثناء الصينية، التي تجري تعاملات مع إيران.
عدم الرغبة الأميركية في التدخل بالبحر الأحمر، تركت نوعاً من الاستياء الواضح لدى حلفاء واشنطن في الخليج. وتداركاً لمزيد من الانحلال في العلاقات، وافق ترامب على صفقة مقاتلات “إف-35” مع الرياض، ولوّح باقترابه من “قرار كبير” في شأن استئناف العمليات العسكرية على نطاق واسع حتى سقوط النظام الإيراني، وبأنه سيعرض الأمر على قادة الخليج الذين سيلتقي بهم في نيويورك على هامش الدورة العادية للأمم المتحدة في الأسبوع المقبل.
النتيجة معروفة سلفاً، سيخرج ترامب من الاجتماع للقول إن القادة الخليجيين نصحوه بعدم استئناف الحرب. ولن تكون المرة الأولى التي يُهدّد فيها الرئيس الأميركي بتوجيه ضربات تعيد إيران إلى العصر الحجري، والتراجع في اللحظة الأخيرة. فكم بالحري الآن على أبواب الانتخابات النصفية، ومع بلوغ معارضي الحرب نسبة 60 في المئة واعتقاد 71 في المئة من الأميركيين بأن البيت الأبيض لا يملك خيارات للخروج من حرب إيران، بينما هبطت شعبية الرئيس الأميركي إلى 40 في المئة، بحسب استطلاع نشرته شبكة “فوكس نيوز” المؤيدة له.
لن تعدو تهديدات ترامب تمسكاً بسردية يعتبرها عاملاً من عوامل الضغط على إيران، كأن يُكرّر أن أميركا تسيطر سيطرة كاملة على المضيق إلى درجة يفكر بإطلاق اسمه عليه، كما يفعل مع معالم بارزة داخل الولايات المتحدة وبينها “مركز كينيدي” الثقافي وإلا اتخذ قراراً بهدمه. وكأن يقول إن النفط يتدفق بملايين البراميل يومياً عبر المضيق، في حين أنه عاجز عن اقناع الشركات الأميركية بخفض أسعار البنزين والمازوت محلياً، وهي المواد التي يُهدّد ارتفاعها بحرق فرص الجمهوريين بالاحتفاظ بمجلسي الكونغرس. وبلغت هذه الأزمة حد التفكير جدياً بفرض البيت الأبيض حظراً على تصدير هاتين المادتين إلى الخارج، بهدف خفض الأسعار، برغم المخاطر التي ستترتب على هكذا خطوة. ولمدة خمسة أشهر متتالية، عجزت الزيادات في الأجور عن مواكبة معدلات التضخم.
وماذا عن نقص الصواريخ؟
ليس استحقاق الانتخابات النصفية في الثالث من تشرين الأول/نوفمبر المقبل وحده، ما يُملي على ترامب التريث في العودة إلى الخيارات العسكرية الواسعة. هناك تقارير مقلقة عن نقص هائل في الصواريخ الاعتراضية الأميركية من طرازي “باتريوت” و”ثاد”. وأخيراً، أقر البنتاغون رسمياً بهذه الثغرة، خلافاً لكل النفي والتخوين اللذين أطلقهما ترامب ووزير حربه بيت هيغسيث بحق وسائل الإعلام التي تُسرّب أخباراً في هذا الشأن. وبدأ أعضاء في الكونغرس وبينهم جمهوريون ينتقدون كيف أثّر الانتشار الواسع للجيش الأميركي على أدائه، فضلاً عن تكلفة الحرب التي بلغت 38 مليار دولار حتى آخر آب/أغسطس الماضي.
وأوردت صحيفة “الواشنطن بوست” نقلاً عن ستة مسؤولين أميركيين أن عدد العسكريين الأميركيين الذين لقوا حتفهم خلال الحرب مع إيران أكبر مما أعلنه “البنتاغون” علناً، وأوضح خمسة من هؤلاء المسؤولين أن عدد الوفيات في صفوف الجيش الأميركي بلغ 22 حالة على الأقل، وهو ما يزيد بأربع حالات عما هو وارد في قاعدة البيانات العامة للبنتاغون، المعروفة باسم “نظام تحليل خسائر الدفاع”، بحسب الصحيفة نفسها. ولم تمض ساعات على هذا التقرير حتى كان ترامب يُعلن، أنه “فخور بالإعلان عن حظر” كل من شبكتي “سي إن إن” و”إم إس ناو”، بالإضافة إلى موقع “بوليتيكو” من دخول البيت الأبيض، بسبب استمرارها في “نقل أخبار زائفة”، وفق وصفه.
في الوقت نفسه، زاد عدد النواب الجمهوريين الذين يُصوّتون إلى جانب الديموقراطيين لوقف الحرب ضد إيران في مجلس النواب.
أضف إلى ذلك، فإن استئناف الحرب على نطاق واسع، سيدفع نحو صدمة نفطية أخرى تلقي بتأثيراها السلبية على الاقتصاد العالمي، خصوصاً بعدما باتت إيران تتحكم بمضيقين استراتيجيين يمر عبرهما ما يصل إلى 34 في المئة من التجارة العالمية.
نموذج أفغانستان هل يتكرر؟
والسؤال الذي يتبادر هنا، هل يملك ترامب القدرة على تحمل أعباء العودة إلى الحرب بمعناها الواسع؟ على الأرجح الجواب بالنفي.
وثمة سؤال استطرادي حول الشكل الذي سيتخذه النزاع مع إيران في ضوء الوقائع الجديدة التي تفرض نفسها في اليمن، ولا سيما مع سقوط التهدئة بين السعودية والحوثيين؟
وإلى متى سيطيق ترامب صبراً على حالة اللاحرب واللاسلم أو على مواصلة الحصار البحري، في ظل رفض أية دولة في العالم تقديم مساعدة عسكرية للولايات المتحدة، التي كثر أعداؤها منذ عام ونصف، وآخرهم كوريا الجنوبية التي رفضت رفضاً مطلقاً إرسال قوة عسكرية إلى مضيق هرمز؟ طبعاً، لن يتأخر “انتقام” ترامب من سيول، سواء من طريق خفض القوات الأميركية المرابطة في كوريا الجنوبية، أو عبر التودد أكثر للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ-أون، واستغلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لأميركا في 24 أيلول/سبتمبر الحالي، لتزخيم الجهود المبذولة لترتيب قمة أميركية-كورية شمالية في أقرب وقت.
تمضي الأحداث في الشرق الأوسط على النحو الذي كانت تمضي به الأحداث في أفغانستان قبل اتخاذ ترامب قراره في العام 2019 بالانسحاب من ذلك البلد، حتى ولو كان الثمن القبول بعودة تنظيم “طالبان” إلى الحكم.
ومن غير المستبعد بعد الانتخابات النصفية أو حتى قبيلها، الإعلان عن النصر والانسحاب من المنطقة وترك دولها تتدبر أمورها بنفسها، على غرار ما جرى في “اتفاق مكة” الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا، أو بالحلف الآخر بين إسرائيل واليونان وقبرص، أو الدفع نحو توسيع اتفاقات إبراهام، لتشمل السعودية بشكل رئيسي، تحت ضغط التطورات العسكرية المستجدة في البحر الأحمر، وإصرار إيران على التمسك بالسيطرة الفعلية على مضيق هرمز، بمباركة خليجية وفق ما كان سيحصل في اجتماع صلالة بسلطنة عُمان الأسبوع الماضي، قبل الغاء الاجتماع في اللحظة الأخيرة، بناء على طلب السعودية.
إلى أي خيار يلجأ ترامب؟
ترامب أمام ثلاثة خيارات: الأول هو إبرام اتفاق جديد مع إيران أو العودة إلى اتفاق إسلام آباد، وهو خيار مستبعد حتى الآن. الثاني هو الانسحاب. الثالث هو إدارة النزاع حتى يتولى خلفه الرئاسة في العام 2028. ومهما كان الرأي الذي سيستقر عليه ترامب، وبرغم “تحقيق أميركا نجاحات عسكرية في هذه الحرب، إلا أن الصراع -عموماً- كان كارثة استراتيجية بالنسبة لواشنطن”، وفق ما يستخلص الكاتب في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية جون هالتيوانغر.
وهذا ما يؤكد عليه كبير المحللين في مجموعة “أوراسيا” للأبحاث غريغوري برو، الذي يقول: “إذا عدنا بالزمن إلى شهر شباط/فبراير 2026 وألقينا نظرة على ما أعلنت الولايات المتحدة أنها ستسعى لتحقيقه، فمن غير القابل للجدل أنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الرئيسية”.. ويقصد هنا اسقاط النظام وتدمير بنية إيران النووية وقدراتها الصاروخية ووقف دعمها لحلفائها في المنطقة.
