حين يُقرأ اليمين في لبنان من عمقه الأنثروبولوجي، يظهر كأكثر من اصطفاف سياسي أو ذاكرة حزبية. إنّه نظام معنوي طويل؛ بنية خوف مقدّس، وطريقة في تخيّل العالم عبر ثنائية النجاة والابتلاع.
حين يُقرأ اليمين في لبنان من عمقه الأنثروبولوجي، يظهر كأكثر من اصطفاف سياسي أو ذاكرة حزبية. إنّه نظام معنوي طويل؛ بنية خوف مقدّس، وطريقة في تخيّل العالم عبر ثنائية النجاة والابتلاع.
نعيش اليوم لحظة تاريخية تشهد تحولات رئيسية على المستويين العالمي والإقليمي، في مختلف أقاليم العالم وإن بدرجات متفاوتة. وقد أفرزت هذه التحولات سمات جديدة في العلاقات الدولية، بدأ بعضها يستقر بوصفه قواعد ناظمة للعلاقات بين الدول في المستقبل، فيما لا يزال بعضها الآخر في طور التشكل ضمن نظام عالمي جديد يوصف بأنه «النظام الدولي الذي أعقب مرحلة ما بعد الحرب الباردة".
في لبنان لا يظهر العفو العام كاستثناء قانوني، بل كدليل على خلل أعمق في طريقة عمل الدولة نفسها. فهي دولة لا تُنتج العدالة بوصفها قانوناً عاماً نافذاً، بل كصفقة سياسية تُعاد صياغتها كل مرة تحت ضغط التوازنات. وما يُطرح بوصفه حلاً إنسانياً للاكتظاظ أو التعطّل القضائي، يكشف في العمق نظاماً تصبح فيه العدالة قابلة للتجزئة والتأجيل والتفاوض، حتى تفقد معناها كمعيار ملزم.
أبعد من الإشكاليات التي تتصدر المشهد السياسي والإعلامي اللبناني حول قرار الحرب والسلم والسيادة وحصرية السلاح، ثمة ما هو أعمق وأخطر من ذلك ويتمثل في "الانعزال الشعوري" الذي بات يتجلى في أداء السلطة الرسمية وفي مواقف شريحة وازنة من المجتمع اللبناني. ما يجعل سؤالنا الإشكالي يطال مستويات أعمق في البنية النفسية والاجتماعية اللبنانية: هل ما زال اللبنانيون قادرين على الإحساس بعضهم ببعض؟ وهل بقي بينهم حدّ أدنى من التعاطف الإنساني يسمح لأي تسوية سياسية بأن تعيش، ويسمح لنا لاحقاً بالحلم بقيام دولة المواطنة؟
في اللحظات المفصلية التي تمر بها الدول، يتحول الخطاب السياسي إلى عنصر مؤثر في تشكيل وتوجيه الرأي العام، تهدئةً أو تصعيداً. في حالة لبنان، البلد الذي يواجه حالياً تحديات غير مسبوقة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، ثمة حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب وطني مسؤول يساهم في تعزيز الاستقرار الداخلي وتحصين الجبهة الوطنية.
تُطرح اليوم قضية الدولة في لبنان ليس كأزمة إدارة أو تعثر نظام فحسب، بل كإشكالية وجودية تضرب في جذور التأسيس ومقومات السيادة.
يصعب التعويل على أي تصريحات يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التوصل إلى استنتاجات أخيرة، حقيقية وموثوقة، بشأن أي صفقة مفترضة مع إيران توقف الحرب التي تتهدد بتداعياتها الكارثية العالم بأسره.
تُعيد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران رسم خريطة الشرق الأوسط بسرعة وقوة لم يشهدهما منذ عقود. لكن خلف كل ما حدث ويحدث، ثمة معادلات وثوابت راسخة لا تستطيع الحروب والقنابل ـ مهما بلغت دقتها ـ أن تزيلها أو تغيّرها.
حتى القوة الأميركية لها حدودها. هذا ما يقوله الدرس الفنزويلي والدرس الإيراني. في كاراكاس، بدا أن واشنطن عثرت على وصفة سريعة للإخضاع: عملية خاطفة تطال رأس السلطة، واجهة دستورية تمنع الفوضى، سلطة انتقالية قابلة للتطويع، ثم إعادة فتح المورد النفطي أمام الشركات الأميركية وشبكات النفوذ الجديدة. أما في إيران، فقد اصطدمت الوصفة ذاتها بواقع مختلف: جغرافيا صعبة، دولة أكبر وأعمق، مؤسسة أمنية أكثر استعدادًا، حلفاء لا يسمحون بالعزلة الكاملة، ومضيق بحجم هرمز قادر على تحويل أي حرب محلية إلى أزمة دولية.
لم يعُدْ منطقياً أن نسأل السلطة السياسية اللبنانية عن إعلان إستراتيجيتها التفاوضية تحت النار. بات الكلام هباءً في هذه المسألة. لو أرادت لفعلت. ولو كانت لديها إستراتيجية مواجهة لأعلنت. يبدو أنَّ الإستراتيجية الخاصة بها تريدها في الخفاء. لقد أصبحنا نخشى من أن تعلن السلطة عمَّا تفكِّرُ به حرصاً على ما تبقَّى من أواصرَ نتمنَّى أن نُسميها وطنية. ذهنية التنازلات المجَّانية هي السائدة تحت عنوان السيادة.