مرة بعد أخرى، وحقبة بعد أخرى يطرح سؤال الدولة الفلسطينية نفسه دون أن تتبدى أية فرص ملموسة، أو خطط متماسكة على الأرض، حتى بدا الكلام كله أقرب إلى التهويمات المراوغة.
مرة بعد أخرى، وحقبة بعد أخرى يطرح سؤال الدولة الفلسطينية نفسه دون أن تتبدى أية فرص ملموسة، أو خطط متماسكة على الأرض، حتى بدا الكلام كله أقرب إلى التهويمات المراوغة.
أعادت عملية "طوفان الأقصى" البطولية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إحياء القضية الفلسطينية، بعدما كانت الولايات المتحدة الأميركية تعمل مع الكيان الإسرائيلي ودول عربية على إنهاء هذه القضية، وتحويل إسرائيل إلى "دولة" طبيعية في المنطقة ودمجها فيها على كل المستويات السياسية، الاقتصادية والأمنية، وتحويل الوعي العربي من رؤية الصراع مع الكيان، من صراع عربي إسرائيلي إلى مجرد صراع على مناطق جغرافية بين إسرائيل والفلسطينيين، وبالتالي إعادة رسم الوضعية الإسرائيلية في الشرق الأوسط وفق هذه الترتيبات.
هل يُمكن أن نتعايش مع إسرائيل؟ سؤال يَطرَحهُ المواطن العربي أو يُطرَح عليه منذ العام 1948. برأيي، في السؤال خطأ جوهري، لأن مضمونه يُحمّل الضحيّة تبعات جريمة المغتصب. ما يجب أن نُفكّر به بإلحاح وتشدّد هو: هل أن إسرائيل مستعدّة فعليّاً للتعايش معنا؟ الجواب: ما يمنع إسرائيل من التعايش معنا (مع الفلسطينيّين تحديداً) هو إسرائيل نفسها. كيف؟
"روسيا وقوى محور المقاومة رفاق سلاح، يجمعهم هدف رئيسي كبير وهو إضعاف الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط؛ الأميركية على وجه الخصوص". ولن تستطيع واشنطن تقويض هذه "الشراكة" ما لم تسارع إلى وقف الحرب الإسرائيلية في غزة والعمل على تهدئة كل التوترات في المنطقة، بحسب "فورين أفيرز"(*).
يُقال إن الرئيس الأميركي جو بايدن، وفي مجالسه الخاصة، يتأفف ويتبرم ويُكيل لرئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتنياهو أقذع الصفات، لأنه منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر بنى الأخير سياسته على الأخذ وليس على العطاء، مما أوقع بايدن في حرج كبير وأظهره بمظهر العاجز عن إحداث تغيير مسار الحرب في غزة. يحدث هذا برغم أن الرئيس الديموقراطي قدّم لإسرائيل ما لم يُقدّمه رئيس أميركي لها منذ العام 1948.
في كتابه "انهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية"، إختار الكاتب رونين بيرغمان عنوانا لهذا الفصل هو الآتي: "ماكر كأفعى وساذج كطفل صغير" وهو الوصف الذي اطلقه رئيس الوزراء "الإسرائيلي" شمعون بيريز على الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.
تساهم المساندة الميدانية التي تقدمها قوى محور المقاومة للفلسطينيين في غزة في طمس الإنقسامات الطائفية والمذهبية التي صبغت المنطقة لعقود طويلة مضت، وتؤسس لـ"جبهة" جديدة؛ سنية شيعية؛ ستكون التحدي الأكبر بالنسبة لأميركا والغرب، والامتحان الأصعب لأنظمة المنطقة لسدّ الفجوة المتزايدة الاتساع بينها وبين مواطنيها، بحسب توبي ماثيسن في "فورين أفيرز" (*).
يقول الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي، في مقالة له في "هآرتس"، إنه من الأفضل لإسرائيل وضع حد لحرب غزة التي "ربحتها حماس منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر". وإذا كانت تريد فعلاً تحقيق إنجاز واحد يُذكر؛ وهو تحرير أسراها؛ فالقرار الحكيم الوحيد أمامها الآن هو إطلاق سراح 1500 أسير فلسطيني، كما تطلب "حماس". لأن الكارثة المؤلمة بالنسبة لها ستكون إذا لم تفعل ذلك.
خلال الأسابيع القليلة المقبلة، من المتوقع أن يبدأ الجيش الإسرائيلي بسحب بعض قواته من غزة، ولكن ليس "إيذاناً" بنهاية القتال هناك، بل "نذيراً" لبدء "حملة مكافحة التمرد" تنوي إسرائيل شنّها ضد الفصائل الفلسطينية المقاومة. ما يعني أن ما بدأ كحرب "تقليدية" قبل 4 أشهر قد يتحول إلى شيء مختلف تماماً: "حربٌ إلى ما لا نهاية"، بحسب كولين كلارك في "فورين أفيرز"(*).
قرار محكمة العدل الدولية، الذي صدر الأسبوع الماضي، يمنح الولايات المتحدة فرصة ذهبية للضغط على إسرائيل لكبح جماحها بالقانون، بحسب ديفيد كاي (*) الذي يرى في تحليل نشرته "فورين أفيرز" أن "كيفية استجابة دول العالم لحكم المحكمة أكثر أهمية من القرار نفسه.