اختطافُ رئيسٍ، اختطافُ نظامٍ دولي.. ماذا بعد؟

منذ العام 1945، بدا النظام الدولي كأنه سقفٌ زجاجيّ معلّق فوق رأس العالم: نراه ولا نلمسه. نختلف على نقاوته أو سماكته. صلابته أو مرونته. ومع ذلك، وعلى كثرة عِلاته وتواتر الملاحظات على عدالته وقدرته على الإنصاف وإحقاق العدالة، بقي الناس والدول يلوذون به. سقفٌ يقول: ثمّة حدود، ثمّة سيادة، ثمّة ميثاق، ثمّة قيدٌ على القوة ولو كان القيد صدئًا، ولو كان يُفتح للأقوياء ويُغلق بوجه الضعفاء.

جاء فجر الثالث من كانون الثاني/يناير 2025، فانكسرت الزجاجة علنًا. لا بكفّ خصمٍ متربّص، بل بقبضة صاحب السقف نفسه. كانت الصورة قاسية جدًا ولكنها جعلت الرؤية أكثر وضوحًا.

في ذلك الصباح، هاجمت الولايات المتحدة فنزويلا ذات السيادة، واعتقلت رئيسها نيكولاس مادورو، ثم رحّلته إلى نيويورك؛ المدينة التي تحتضن، للمفارقة الجارحة، مقرّ الأمم المتحدة: ذلك المبنى الذي يتّكئ العالم على رمزيّته بوصفه «خيمة الشرعية الدولية». فجأة بدا المشهد كأنه بثٌّ مباشر لفضيحة كونية: رئيس دولة يُنتزع من فراشه وبلاده ويُقاد إلى حيث تُرفع أعلام «القانون الدولي» وتُلقى الخطب عن السلام والديموقراطية وحقوق الإنسان. هنا اشتعل السؤال، لا كتمرينٍ أكاديميّ، بل كحريقٍ في المعنى: ما قيمة القانون الدولي إذا كان يُسحق بهذه الفجاجة؟ وهل تتحول كراكاس إلى سابقة تُغري الأقوياء وتثير شهوتهم بالعودة إلى أشرس نسخ “حكم القوة”؟ وهل نحن على عتبة زمنٍ يأفل فيه النظام الذي عرفناه، ويتشكّل آخر بمخالب شيطانيّة؟

الصفعة الأقوى للقانون الدولي

من تابع تاريخ الانتهاكات يعرف أن القانون الدولي لم يكن يومًا معصومًا. من الحرب الكورية إلى الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بحربي العراق وأفغانستان وصولاً إلى حرب الإبادة المستمرة على أرض غزة. انتهكت دول كثيرة ما يُسمى “القانون الدولي”، وواشنطن نفسها تمتلك سجلًا طويلًا من الحروب بلا تفويض، ومن تجاوزاتٍ تُلبَّس أحيانًا ثوب المبادئ. لكن الجديد هذه المرة ليس الانتهاك بذاته، بل بانكشافه. بأن تُنفَّذ العملية كمن يضع قدمه على الورق ويقول بلا تردّد: «لن أحتاج حتى إلى ذريعة كاذبة أو تبريرٍ مقنّع».

في ميزان القانون، لا يحتاج الأمر إلى التفاف طويل. الإطار الصارم لاستخدام القوة في النظام الدولي لا يفتح الباب على مصراعيه. الاستثناءات محددة ومعلومة: إمّا تفويض من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، أو دفاعٌ شرعي إذا تعرّضت الدولة لهجومٍ مسلح وفق المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة. وليس في هذه الاستثناءات ما يسمح بـ«اعتقال رئيس دولة ذات سيادة» كفعلٍ مشروع. لذلك بدا ما حدث في كراكاس فعلًا خارج النص؛ خارج القاعدة؛ خارج فكرة “القيود” نفسها. لم تكن ضربةً في بلدٍ بعيد؛ كانت صفعةً على وجه المبدأ الذي وُلد النظام بعد الحرب العالمية الثانية لحمايته: ألا تُحل النزاعات بسطوة السلاح.

لكن القلق الحقيقي ليس هنا. تسلّل من مكانٍ أعمق: من الرسالة السياسية. فالعملية قالت- بفعلها لا ببيانها- إن الولايات المتحدة لا ترى مانعًا من الانتقال من العقوبات إلى فرض الوقائع بالقوة، ومن حصار الدول إلى كسرها عند قمة الهرم السياسي. قالت بوضوح: نحن نبدّل أدواتنا متى شئنا. اليوم عقوبات، غدًا اقتحام، بعده اعتقال ومن يدري إلى أين يُمكن أن نصل بعد حين؟

ثم تأتي العقدة التي تشبه بابًا موصدًا في وجه كل احتجاج: مجلس الأمن. كيف تصدر إدانة رسمية إذا كانت الدولة المعتدية تملك حق “الفيتو”؟ أي عدالةٍ يمكن أن تتحرك إذا كان منتهك القانون قادرًا على تعطيل المحكمة؟ هنا لا تنهار مادةٌ واحدة فحسب، بل تنهار ثقةٌ كاملة: ثقة الدول الصغيرة والمتوسطة التي لطالما اعتبرت القانون الدولي “ملاذًا أخيرًا” أو “سلاحًا أخلاقيًا” في مواجهة جبروت الكبار. فإذا صار القانون مجرد إطار جميل يمكن التنصّل منه، عندها، ماذا يبقى للضعيف غير أن يرفع يديه أو يبحث عن سلاح يوازي القوة أو لا يوازيها هرباً من الخنوع والاستسلام المهين؟

كتاب الانحدار المفتوح!

من هذه النقطة بالذات تولد شهية السوابق: أن تتخذ قوى أخرى ما جرى “مثالًا” يمكن تقليده. فإذا كانت الدولة “الرأس” في النظام العالمي لما بعد الحرب الباردة تنتهك أهم أسس هذا النظام، فما الذي يمنع قوى إقليمية أخرى من القول إن الطريق مفتوح بشرط امتلاك القوة؟ هنا يصبح معيار الردع الوحيد هو القدرة العسكرية، لا الشرعية، ولا المواثيق، ولا نصوص الأمم المتحدة.

داخل النقاش الذي دار حول كراكاس، ظهرت قراءة تقول إن التآكل لم يبدأ من هنا، بل من لحظةٍ أبكر: ما بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001، حين أُدخل إلى قاموس العالم مصطلح “الحرب على الإرهاب”: حربٌ بلا جغرافيا وبلا إطارٍ زمني وبلا خلفية قانونية واضحة. ومع هذا المصطلح، بدأ التخلي بالتدرّج عن ثلاث طبقات:
الأولى: تشريعات ما بعد الحرب العالمية الثانية بين 1945 و1949.
الثانية: القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف وما يفترض احترامه أثناء النزاعات المسلحة.
الثالثة: معاقبة من يسهرون على احترام القانون الدولي، واستهداف حُرّاس العدالة من قضاة ومؤسسات، كما شهد العالم في سوابق اتصلت بالمحكمة الجنائية الدولية وقضاتها.
بهذا المعنى، بدت عملية كراكاس فصلًا جديدًا في كتاب الانحدار: فصلٌ لا يقيم اعتبارًا حتى لمن يمارسون مسؤولية سياسية في بلادهم ذات السيادة، بصرف النظر عن تقييمنا لأنظمتهم أو سلوكهم. فالخطر هنا ليس “من هو مادورو؟” بل “ماذا يعني أن يُختطف رأس دولة بالقوة”؟

ومن واشنطن نفسها خرجت قراءة أكثر صراحة: ما يحدث هو رجوعٌ إلى منطق قديم يشبه “مبدأ مونرو”، حيث ترى الإدارة الأميركية أن لها حق التصرف كما تشاء في المنطقة، وأن العالم ينبغي أن يتطبّع مع ذلك. وإذا صار هذا المنطق مرجعًا، فإن النظام العالمي كله يصبح في مهب الريح، لأن الرسالة تغدو: “الشيء الوحيد الذي يمنعك من فعل ما تريد هو قدرتك العسكرية؛ فإن امتلكت القدرة.. أنت حرّ”. وهذه ليست فلسفة نظرية، بل وصفة جاهزة لتفكك القواعد: روسيا في أوكرانيا، إسرائيل في الشرق الأوسط، وربما الصين غدًا في تايوان. كل طرفٍ يقيس خطوته تبعًا لقدرة وقوة خصمه، لا على قدرة القانون وقوته في المعاقبة والمنع.

إقرأ على موقع 180  هل يجرؤ "نواب التغيير" على تعديل قانون الأحزاب؟

الحامي.. والمُهدِّد واحد!

في عملية غزو العراق (2003)، حاول جورج بوش الإبن المرور عبر مجلس الأمن، وحين فشل مضى منفردًا، لكنه كان لا يزال يشعر بالحاجة إلى المرور من بوابة الشرعية أو التظاهر بها. أما اليوم فتبدو واشنطن وكأنها لم تعد بحاجة إلى “تخريجات” أصلاً. القوة السافرة بلا غطاء قانوني صارت مستجدًا خطيرًا في العلاقات الدولية، وتكريسًا لفكرة أن الاتفاقات والمواثيق ليست سقفًا، بل عائقًا يمكن ركنه جانبًا.

ويتضاعف القلق حين ننظر إلى أوروبا. حلف “الناتو” كان طريقًا لحماية القارة تحت المظلة الأميركية. لكن ماذا يحدث حين تصبح الجهة التي تحمي هي ذاتها التي تهدد؟ هنا تبرز غرينلاند كاختبار مفصلي: أرضٌ تابعة للدنمارك، دولة مؤسسة لحلف شمال الأطلسي، يلوّح ترامب بالاستحواذ عليها، باستخدام القوة العسكرية إن لزم. في تاريخ “الناتو”، لم يكن مألوفًا أن تهدد دولة عضو بضم جزء من دولة أخرى داخل الحلف. ومع ذلك جاءت ردود أوروبية كثيرة خجولة: اعتراضات محسوبة، تردد، مقايضات، حسابات سلاح وتجارات، وكأن بعض العواصم تراهن على أن التودد يحميها من العقاب، فيما الحقيقة أن هذا الرهان يفتح شهية الابتزاز أكثر، بدليل ما ينتظر أوروبا في غرينلاند.. وها نحن نشهد تباشير حرب جديدة بين أوروبا وحاميتها الولايات المتحدة!

 ومن يرصد نوايا ترامب التي تتبدى في معظم خطاباته، يعي أن الرجل لا يكتفي بفنزويلا. فهو يُهدّد كندا؛ يتحدث عن غرينلاند، يتوعد بنما، ويعتمد لغة فظة في مخاطبة رؤساء دول، كما يضغط على المكسيك وكولومبيا وكوبا… وكأن الهدف تحويل اللامعقول إلى واقع “معقول” بالتكرار.

وفي قلب هذه العاصفة يطلّ البعد الاقتصادي كوحشٍ صامت: النفط، المعادن النادرة، المواد الضرورية للذكاء الاصطناعي، ندرة تتفاقم في العالم، سباقٌ على الثروات، وقطبٌ شمالي يذوب بفعل التبدّل المناخي فيفتح طريقًا تجاريًا جديدًا ويكشف احتمالات ثروات هائلة. غرينلاند هنا ليست مجرد جزيرة بعيدة، بل بوابة على القطب الشمالي حيث روسيا وكندا، ومساحة يمكن أن تتحول إلى عقدة جيوسياسية في زمن التحولات الكبرى.

فنزويلا من جهتها، ليست مجرد اسمٍ في أميركا اللاتينية؛ إنها خزان نفط ورسالة ضمن صراعٍ أشمل، خصوصًا أن الصين هي الشريك النفطي الأول للفنزويليين. ما جرى يحمل ظلًا موجّهًا إلى بكين بقدر ما كان موجّهًا إلى كراكاس. يسري ذلك على إيران في الآتي من الأيام.

أين منطقتنا ومنطقنا كعرب؟

في المقابل، يعود الحديث عن الإمبراطوريات: كيف تسقط؟ ليس بالضرورة أن تُحتل من الخارج، بل قد تنهار بالانتحار حين تفقد قيمها وقدرتها على جذب الآخرين. كان للولايات المتحدة ما يسمى “القوة الناعمة”: خطاب الديموقراطية وحقوق الإنسان والسوق الحرة. صورةٌ جعلت دولًا وشعوبًا تتعاون معها وتهاجر إليها. اليوم، تتراجع تلك الصورة، ويبدو أن الورقة الوحيدة المتبقية هي القوة العسكرية. وحين تصبح القبضة هي اللغة الوحيدة، يبدأ التآكل من الداخل أيضًا: أصوات وحركات معارضة تنشأ في الولايات المتحدة، حتى في قاعدة ترامب نفسها، ولو من دون رؤية موحّدة بعد..

وسط هذا كله، لا يبدو أننا أمام “نظام عالمي جديد” واضح المعالم، بل أمام مرحلة انتقالية بين عالمين: عالمٍ قديم تتهاوى روحه وإن بقيت نصوصه معلّقة، وعالمٍ مقبل لا تزال ملامحه غائمة. أوروبا منقسمة: أصوات تنتقد وأخرى تُساير، ويمينٌ متطرف يصعد ويصفّق لثقافة القوة. روسيا والصين ليستا في موقع “المنزعج” من هذا الانفلات؛ قد تستفيدان منه لتبرير سلوك مشابه.

في منطقتنا العربية، لا تُقرأ هذه التحولات بلغة الحبر فقط، بل بالدخان. إسرائيل التي لم تُعرف يومًا باحترامها للقانون الدولي تزداد جرأة ووقاحة محصنة بالأقوياء: دعم ترامب، وتواطؤ أو صمت أوروبي في ملفات كبرى، لا سيما في حرب غزة وما قيل عن إبادة ومحاكم حاولت التصدي ولم تحظَ بدعم كافٍ إلا من دول قليلة، ثم صمتٌ عربيّ مهين. ومع هذا كله يشعر نتنياهو، الملاحق بمذكرات توقيف، أنه قادر على فرض ما يريد بالقوة في فلسطين ولبنان وجنوب سوريا من دون خشية من أية تداعيات. فحين يضرب من يدّعي “المثل العليا” القانون عرض الحائط، يصبح انتهاك الآخرين أقل كلفة وأكثر وقاحة.

لهذا لا تبدو كراكاس خبرًا عابرًا، بل علامة على زمنٍ يتشكّل: زمنٌ تُمحى فيه مكاسب ما بعد الحرب العالمية الثانية الواحد تلو الآخر، ويُعاد فيه تعريف الشرعية على طريقة الغابة: الأقوى يُقرّر، والأضعف يتعايش مع الندبة. فإذا لم يولد رد عالمي صلب، ردٌّ يفرض كلفة حقيقية على كل متفلت، سنعتاد على الإستثناء ونتكيف معه، وسيستيقظ العالم على سوابق واستثناءات جديدة، حتى يصبح القهر لغة يومية، ويصير القانون مجرد لوحة عند مدخل المبنى بينما الداخل، في الحقيقة، محكوم بالسلاح.

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "معاريف": يمكن تأجيل إستخراج الغاز من "كاريش" لأشهر