إسرائيل ممر بديل لنقل النفط والغاز.. الوجه الآخر للحرب على إيران

في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الحرب مع خرائط الطاقة، برزت من جديد فكرة قديمة بثوب استراتيجي جديد، وهو تحويل إسرائيل إلى ممر بديل لنقل النفط والغاز نحو أوروبا. هذا الطرح لم يعد مجرد تصور نظري، بل بات جزءاً من نقاشات فعلية داخل مراكز القرار، مدفوعاً بتداعيات المواجهة العسكرية التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من اضطرابات حادة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

لم تأت فكرة “الممر الإسرائيلي للطاقة” من فراغ، بل تستند إلى بنية تحتية قائمة بالفعل، تتمثل في خط أنابيب “إيلات-عسقلان”، الذي يمتد نحو 254 كيلومتراً، رابطاً بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط. هذا الخط، الذي تديره شركة خطوط أوروبا-آسيا (EAPC)، أُنشئ أساساً في سياقات جيوسياسية مختلفة، لكن يُعاد تقديمه تقديمه كجزء من مشروع أوسع يهدف إلى نقل النفط الخليجي إلى أوروبا دون المرور بالممرات البحرية المهددة، ولا سيما مضيق هرمز وباب المندب.

وفق هذا التصور، يمكن ربط الخط الإسرائيلي بشبكات الطاقة الخليجية، وتحديداً عبر خط “شرق-غرب” السعودي (بترولاين) الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ومن هناك، يُنقل النفط إما عبر ناقلات بحرية إلى ميناء إيلات، أو عبر إنشاء خط أنابيب بري يمر بالأردن، ليصل بعدها إلى عسقلان، ومنه إلى الأسواق الأوروبية عبر المتوسط. وبهذا المعنى، لا يقتصر المشروع على كونه بديلاً لوجستياً، بل يتجاوز ذلك ليصبح إعادة تشكيل جزئية لخريطة تدفقات الطاقة العالمية.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن فقط في بنيته التقنية، بل في أبعاده الاستراتيجية. فمن وجهة نظر إسرائيل، يشكل المشروع فرصة لتقويض أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية، والمتمثلة في القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية. ومن خلال تقديم نفسها كمسار بديل “آمن”، تسعى إسرائيل إلى إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي، ليس فقط كفاعل أمني، بل كعقدة طاقة مركزية.

علاوة على ذلك، يحمل المشروع أبعاداً اقتصادية مباشرة، إذ يمكن أن يدر على إسرائيل عوائد مالية كبيرة من رسوم العبور والتخزين، فضلاً عن تعزيز أمنها الطاقوي عبر إنشاء احتياطيات استراتيجية. وفي الوقت نفسه، يمنحها نفوذاً سياسياً إضافياً في علاقتها مع أوروبا، التي تبحث باستمرار عن تنويع مصادرها ومسارات إمداداتها، خاصة في ظل الأزمات المتكررة التي تضرب سلاسل الطاقة العالمية.

لكن، وعلى الرغم من هذا الزخم النظري، تصطدم الفكرة بجملة من التعقيدات الجيوسياسية التي تجعل تنفيذها أمراً بعيد المنال في المدى القريب. في مقدمة هذه العقبات يأتي الموقف السعودي، الذي يُعد حاسماً بحكم موقع المملكة في معادلة الطاقة. وتشير تقارير حديثة إلى أن الرياض تعاملت بقدر من التحفظ مع الطرح حتى الآن، مفضلة تجنب الانخراط في مشاريع بنية تحتية مباشرة مع إسرائيل في ظل التعقيدات السياسية والإقليمية، برغم الضغوط التي تمارسها واشنطن لدفع هذا المسار.

إلى جانب ذلك، يبرز العامل المصري كأحد أبرز التحديات أمام المشروع. فقناة السويس، التي تُعد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المصري. ومن هذا المنطلق، يُقلّل أي مشروع بديل من أهمية القناة باعتباره تهديداً مباشراً للمصالح الاستراتيجية للقاهرة. وقد عبّرت جهات مصرية في مناسبات سابقة عن رفضها لمثل هذه الطروحات، مؤكدة أن النقل البحري عبر القناة يظل أكثر كفاءة وأقل كلفة مقارنة بخيارات الأنابيب البديلة.

ولا تقتصر التحديات على البعد السياسي، بل تمتد إلى الجوانب الأمنية والبيئية. فالبنية التحتية المقترحة تمر عبر مناطق حساسة ومعرضة للتوتر، ما يجعلها هدفاً محتملاً للهجمات، سواء من قبل فصائل مسلحة أو في سياق صراعات أوسع. وقد شهدت منشآت نفطية في عسقلان في السابق استهدافات صاروخية، ما يعزز المخاوف بشأن أمن هذا الممر في حال تحوله إلى شريان رئيسي للطاقة، فضلاً عن إشكالية باب المندب التي يُمكن أن تبلغ شظاياها ميناء ينبع أو خطوط النقل البرية.

في ضوء هذه المعطيات، يُمكن القول إن مشروع “الممر الإسرائيلي للطاقة” يعكس أكثر من مجرد خطة بنية تحتية؛ إنه تعبير عن محاولة لإعادة توظيف الجغرافيا في خدمة الاستراتيجية. فالأزمات، كما تُظهر التجربة الحالية، لا تقتصر على كونها لحظات اضطراب، بل يُمكن أن تتحول إلى فرص لإعادة رسم موازين القوى.

ومع ذلك، يبقى الفارق كبيراً بين الإمكان النظري والتنفيذ الفعلي. فنجاح مثل هذا المشروع يتطلب توافقات سياسية إقليمية معقدة، وتفاهمات دولية دقيقة، فضلاً عن بيئة أمنية مستقرة نسبياً، وهي شروط لا تبدو متوفرة بالكامل في المرحلة الراهنة. كما أن المصالح المتضاربة للدول المعنية، من الخليج إلى مصر، مروراً بالأردن، تجعل من الصعب بلورة توافق سريع حول مشروع بهذا الحجم.

بناءً عليه، يمكن اعتبار الطرح الإسرائيلي جزءاً من “استراتيجية الفرص” التي تنشط في أوقات الأزمات، حيث تسعى الدول إلى توسيع هامش حركتها واستثمار التحولات لمصلحتها. غير أن هذه الاستراتيجيات، مهما بدت مغرية على الورق، تظل رهينة التوازنات الواقعية، التي غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من أي تصور نظري.

إقرأ على موقع 180  نصرالله لا يكشف أوراقه والحريري عائد.. والحكومة مؤجلة

في النهاية، تكشف هذه الديناميكيات عن حقيقة أساسية مفادها أن الطاقة لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت أداة مركزية في الصراع الجيوسياسي. وبينما تستمر المواجهة في مضيق هرمز بإعادة تشكيل قواعد اللعبة، تبقى مشاريع مثل خط إيلات-عسقلان مؤشراً على الاتجاهات المحتملة، أكثر منها حلولاً جاهزة، في عالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرة البنى التحتية على مواكبته.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ما لناصر.. لناصر وما لكم.. لكم!