حين يتحوّل نفط فنزويلا إلى إغراء سهل.. ومضيق هرمز إلى مأزق استراتيجي

حتى القوة الأميركية لها حدودها. هذا ما يقوله الدرس الفنزويلي والدرس الإيراني. في كاراكاس، بدا أن واشنطن عثرت على وصفة سريعة للإخضاع: عملية خاطفة تطال رأس السلطة، واجهة دستورية تمنع الفوضى، سلطة انتقالية قابلة للتطويع، ثم إعادة فتح المورد النفطي أمام الشركات الأميركية وشبكات النفوذ الجديدة. أما في إيران، فقد اصطدمت الوصفة ذاتها بواقع مختلف: جغرافيا صعبة، دولة أكبر وأعمق، مؤسسة أمنية أكثر استعدادًا، حلفاء لا يسمحون بالعزلة الكاملة، ومضيق بحجم هرمز قادر على تحويل أي حرب محلية إلى أزمة دولية.

ليست فنزويلا وإيران، إذن، حالتين متشابهتين إلا في الظاهر. كلاهما يملك موارد طاقة، وكلاهما دخل في مواجهة طويلة مع واشنطن، وكلاهما جرى التعامل معه في الخطاب الأميركي بوصفه نظامًا ينبغي إخضاعه أو تغييره. غير أن السياسة لا تُصنع بالشعارات. وما ينجح في دولة واقعة داخل المجال الحيوي الأميركي لا ينجح بالضرورة في دولة/ركيزة تقع عند تقاطع الخليج وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. وما يبدو عملية إدارة موارد في كاراكاس قد يتحول إلى معضلة أمن عالمي عند بوابة مضيق هرمز.

في فنزويلا، بلغت المواجهة لحظتها الفاصلة حين اعتقلت قوة أميركية الرئيس نيكولاس مادورو في عملية سريعة قلبت المشهد السياسي رأسًا على عقب. وبرغم إعلان ديلسي رودريغيز، بصفتها رئيسة مؤقتة، أن مادورو لا يزال الرئيس الشرعي، فإن ميزان الوقائع كان يشير إلى انتقال مركز القرار إلى واشنطن، خصوصًا في ملف النفط. لم يكن النفط تفصيلًا اقتصاديًا في هذه القصة، بل جوهرها العميق. ففنزويلا لا تملك موردًا عاديًا، بل أحد أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، ولذلك كان استهداف رأس النظام مدخلًا إلى إعادة ترتيب السيادة نفسها.

لم يقف الخطاب الأميركي عند حدود تغيير السلطة أو إدارة انتقال سياسي، بل تجاوزه إلى تخيل ضم فنزويلا إلى الولايات المتحدة كولاية حادية وخمسين. حتى لو بدا التصور أقرب إلى المبالغة السياسية، فإنه يكشف طبيعة اللحظة، بأنّ التدخل لم يعد مجرد ضغط على حكومة، بل محاولة لإعادة تعريف علاقة الدولة بنفسها وبمواردها وبقرارها السيادي. بهذا المعنى، لم تكن كاراكاس مسرحًا لعملية عسكرية فحسب، بل مختبرًا لفكرة أخطر: كيف يمكن إبقاء الدولة قائمة شكليًا، مع نقل مفاتيح القرار الفعلي إلى الخارج؟

مشهد مادورو وزوجته سيليا فلوريس مكبلين، ثم اقتيادهما بطائرة حربية إلى الولايات المتحدة، لم يكن صورة عابرة في نشرات الأخبار. لقد حمل شحنة رمزية هائلة، خصوصًا في بلد بنى خطابه السياسي منذ هوغو شافيز على مقاومة الإمبريالية الأميركية. الرجل الذي مثل امتدادًا للثورة البوليفارية وجد نفسه منقولًا إلى عاصمة القوة والإخضاع. لذلك قرأ أنصاره ما حدث بوصفه اختطافًا سياسيًا، لا مجرد إخراج قسري من السلطة. أما خصومه، أو بعضهم على الأقل، فرأوا في اللحظة فرصة لفصل التشافيزية عن مادورو، أو تحرير المشروع من الرجل الذي أثقله.

هكذا وُلدت المفارقة الفنزويلية: كل شيء تغير، ومع ذلك بقيت الواجهة قائمة. لم ينهَر الدستور في الظاهر، ولم تُحل المؤسسات دفعة واحدة، ولم تترك واشنطن البلاد لفراغ مطلق. جرى تفعيل آليات الغياب الموقت للرئيس، وأدت ديلسي رودريغيز اليمين أمام الجمعية الوطنية، وبدا الانتقال كأنه إجراء دستوري. لكن السياسة لا تُقرأ من النصوص وحدها. فلقد بقيت الشرعية الشكلية، لكن مركز الثقل انتقل إلى الخارج. هذا هو جوهر النموذج الفنزويلي: لا حاجة إلى هدم الدولة إذا أمكن إعادة تشغيلها لمصلحة قوة أخرى.

لذلك اكتسبت عملية “العزم المطلق” معناها الأوسع. فالولايات المتحدة، وفق هذا المسار، لم ترد إسقاط البلاد في فوضى مفتوحة، بل أرادت انتقالًا مضبوطًا يضمن استمرار الإدارة، ويمنع الانهيار، ويفتح الطريق أمام تفكيك تدريجي للنظام القديم. فالفراغ الكامل خطر على مصالحها، أما الفراغ المحسوب فيمكن تعبئته بوجوه دستورية وسياسات جديدة. ومن هنا جرى الحديث عن “انتقال متفق عليه” لا يقطع مع المرحلة السابقة فورًا، بل يستخدم بعض وجوهها لتسهيل إعادة البناء السياسي والاقتصادي.

لكن نجاح مثل هذا النموذج يحتاج إلى شرط أساسي: ضعف قدرة الدولة المستهدفة على المقاومة.

لم يكن المشهد الفنزويلي قابلًا للتبسيط. فقد سقط أكثر من مئة قتيل، وكان خيار المواجهة المسلحة المفتوحة مكلفًا إلى حد الانتحار. لذلك وجدت السلطة الموقتة نفسها أمام معادلة قاسية: إما مقاومة رمزية قد تدفع البلاد إلى فوضى شاملة، وإما مسايرة القوة الأميركية ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدولة. من هنا بدت رودريغيز، في نظر بعض المدافعين عنها، كمن يدير اضطرارًا لا اختيارًا؛ تجلس مع المعتدي لأن البديل أسوأ، وتحافظ على بقايا الدولة ولو بثمن سياسي باهظ.

هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: متى يصبح الخارج سندًا للديموقراطية، ومتى يصبح بوابة للهيمنة؟

في فنزويلا، لم يكن السؤال نظريًا، لأن النفط كان حاضرًا في قلب كل تحول. فمنذ بداية القرن العشرين أدّت الشركات الأميركية دورًا مهمًا في استخراج النفط الفنزويلي وتطويره، قبل أن يأتي شافيز ويعيد تأميم القطاع، مانحًا الدولة الحصة الكبرى في المورد الأهم. كان التأميم إعلانًا سياسيًا بأن النفط ليس سلعة، بل سيادة. لذلك لم يكن تعديل قانون المحروقات بعد إبعاد مادورو مجرد إصلاح اقتصادي، بل انقلابًا في فلسفة الدولة.

أغرى ما جرى في فنزويلا واشنطن، فوسّعت نموذجها نحو إيران. هنا وقع خطأ القياس. فإيران ليست فنزويلا أخرى، ولا طهران نسخة بعيدة من كاراكاس. المقارنة بين البلدين مضللة من أساسها. فإيران أكبر مساحة وديموغرافية وقدرات، كما أن مؤسساتها العسكرية والأمنية أكثر استعدادًا لمواجهة أي غزو أو اختراق كبير، أما “قنبلتها النووية الفعلية” فهو موقعها الجغرافي الذي جعلها تتحكم بمضيق هرمز.

أدخل ترامب في فنزويلا فصلاً جديداً إلى دروس مادة العلاقات الدولية: الاختطاف والاغتيال كأدوات سياسية. لكن هذا المبدأ، حتى لو نجح في مجال قريب من النفوذ الأميركي، لا يمكن إسقاطه آليًا على إيران. فالدولة الواقعة داخل المجال الحيوي لقوة كبرى تكون أكثر هشاشة أمامها، كما حدث في فنزويلا، أما إيران فتقع خارج ذلك المجال المباشر، وتملك من عناصر المكان والزمن ما يسمح لها بتحويل الضربة إلى استنزاف.

إقرأ على موقع 180  قصة يناير الأليمة.. بالسياسة نبني النموذج

العنصر الأول في الصمود الإيراني هو الجغرافيا. فالولايات المتحدة تملك تفوقًا تكنولوجيًا هائلًا، لكن التكنولوجيا لا تلغي المكان. الجبال، المسافات، العمق، السواحل، والممرات البحرية كلها تدخل في حساب القوة. إيران لا تدافع عن نفسها بحدودها فقط، بل بموقعها. إنها لا تقف على هامش طرق الطاقة، بل عند إحدى عقدها الكبرى. وهذا ما يجعل أي حرب ضدها مختلفة عن عملية محدودة في عاصمة أميركية لاتينية.

العنصر الثاني هو الزمن. فقد سعت إيران، عبر استهداف قواعد ومصالح أميركية في الخليج وبحر عمان، إلى منع الحرب من البقاء في صيغة الضربة الخاطفة. أرادت تحويلها إلى معركة استنزاف، لأن الزمن يصبح سلاحًا حين يعجز الطرف الأقوى عن الحسم السريع. واشنطن كانت تريد نسخة مكبرة من فنزويلا: ضربة مركزة. ارتباك داخلي. تسوية بشروط أميركية. لكن طهران حاولت نقل الصراع إلى إيقاع مختلف، لا يسمح للولايات المتحدة بإعلان نصر سريع.

العنصر الثالث هو المجتمع. فقد افترضت واشنطن وتل أبيب، أن أحداث الداخل الإيراني قبل الحرب تكشف عن هشاشة النظام وضعفه، وأن ضربات تلقتها شبكات حلفائه في المنطقة جعلته أكثر قابلية للانكسار. لكن الهجوم الخارجي أعاد ترتيب المزاج الشعبي، ومنح السلطة فرصة لتعبئة المجتمع تحت عنوان الدفاع الوطني. وهنا يظهر الفرق الجوهري: في فنزويلا فتحت الضربة الباب أمام إعادة تشكيل السلطة، أما في إيران فقد منحت السلطة فرصة لإعادة إنتاج شرعيتها في لحظة خطر جعلت المجتمع أكثر التفافاً حول قيادته.

ولا يمكن فصل ذلك عن شبكة الحلفاء. فالصين وروسيا لا تقاتلان نيابة عن إيران بل تدافعان عن مصالحهما. إيران هي “السور الواقي“، وفق التعبير الذي استخدمه الزميل ميشال نوفل، في مقالة منشورة في موقع 180 بوست.. فوجود قوتين عظميين لهما مصلحة بعلاقة وثيقة بطهران يمنح ثلاثي بكين-موسكو-طهران عمقًا جيواستراتيجيًا لم يكن متوفراً لكاراكاس، وهذه قيمة الجغرافية التي تجعل روسيا محاصرة من “الناتو” باستثناء متنفسها مع إيران عبر بحر قزوين. يسري ذلك على الخط البري الذي توفره باكستان للنفط الإيراني إلى الصين (من ميناء تشابهار الإيراني إلى ميناء غوادر الباكستاني).

والجغرافيا نفسها جعلت إيران تُمسك بمضيق هرمز، أي أن الطاقة ليست موردًا فقط، بل ممرًا. وهذا الفارق حاسم. واشنطن تستطيع السعي إلى إدارة آبار النفط في فنزويلا، لكنها في إيران تواجه دولة تملك قدرة على التأثير في شريان عالمي للطاقة. لذلك تحولت كاراكاس إلى ملف موارد، بينما تحولت طهران إلى ملف أمني إقتصادي عالمي.

هنا تتضح أزمة الاستراتيجية الأميركية الأوسع. فواشنطن كانت قد انتقدت الإدارات السابقة بسبب التورط في حروب لا ضرورة لها، ووضعت الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة ضمن أولوياتها، لكنها وجدت نفسها مجددًا في خضم حرب كبرى في المنطقة. هذا التناقض يكشف أن القوة، حين تغري صاحبها، قد تدفعه إلى تكرار الأخطاء جاهر بقدرته على تجاوزها.. والأهم من ذلك وقوعه في فخ القوة التي لا يمكن أن تكون بلا حدود، كما يتوهم ترامب.

ففي فنزويلا، استطاعت واشنطن إنتاج واقع سياسي جديد بسرعة: رأس نظام أُزيح. واجهة دستورية بقيت. سجناء معارضون أُطلق سراحهم. قانون محروقات عُدل، وشبكات تحالف أُعيد توجيهها. أما في إيران، فكل خطوة أميركية تفتح احتمالًا مضادًا: تصعيد في الخليج، ضغط على هرمز، التفاف داخلي، حسابات صينية وروسية مختلفة، توتر أميركي مع بعض دول الخليج (لا سيما بسبب موضوع الإلزام بالاتفاقات الأبراهيمية)، فضلاً عن التعقيد الإسرائيلي في كل مسار مفاوضات يقود إلى تسوية مع إيران.

وهنا تكمن الخلاصة. لقد أغرى نفط فنزويلا واشنطن بفكرة الإخضاع السريع، لكن إيران أوقعتها في الجغرافيا. فبين كاراكاس وطهران لا تقف آلاف الكيلومترات وحدها، بل يقف فارق بين دولة أمكن عزلها داخل المجال الحيوي الأميركي، ودولة تستطيع تحويل موقعها إلى عنصر قوة. في الأولى، كان النفط غنيمة سياسية واقتصادية. في الثانية، صار الممر البحري ورقة ردع عالمية. في الأولى، أمكن استخدام الدستور غطاءً لانتقال مضبوط. في الثانية، تحولت الضربة الخارجية إلى فرصة لتعبئة الداخل وإطالة أمد الصراع.

ليست إيران نسخة أخرى من فنزويلا، وما يصلح في “الباحة الخلفية” لا يصلح بالضرورة عند بوابة هرمز. في المضيق، يلتقي النفط بالجغرافيا، والسيادة بالردع، والقوة بالمقاومة، وبالتالي تظهر حدود القوة الأميركية: الولايات المتحدة ليست عاجزة عن التدمير والتكسير، لكنها لا تضمن تحويل الضربة إلى نصر؛ هي قادرة على إطلاق الرصاصة الأولى لكنها لا تضمن حتماً النتيجة النهائية للحرب.

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  شرق الفرات يتأرجح بين احتمالات المواجهة.. والتهدئة