فلاديمير بوتين هو أكثر من يعرف عمق الصراع بين العمق الروسي والأوراسي والغرب الأوروبي الحائر بين ضعف الاتحاد، وأزمته في الابتزاز الذي يتعرض له من الولايات المتحدة الأميركية [عنوان غرينلاند والرسوم الجمركية لا ينساه أحد]. لهذا كله، يبدو طبيعياً ومنطقياً أن يرفع بوتين العصا الغليظة بوجه تمدد حلف الناتو، ويلوح بالجزرة الناعمة التي تدعو إلى تحسين العلاقات على قاعدة الواقعية الاستراتيجية.
أوكرانيا هي المربط منذ العهد القيصري إلى مرحلة الاتحاد السوفياتي إلى اليوم. وهي ليست مجرد جغرافيا حدودية بالنسبة إلى موسكو، بل هي رقعة استراتيجية جرى استغلالها قديماً مع نابليون، وحديثاً مع هتلر، اللذين هُزما عند أبواب موسكو وستالينغراد هزيمة شنعاء، فيما ظلّ العمق الروسي حصيناً.
لا ثقة أبداً، تاريخية أو سياسية، بين الطرفين. بوتين، باسم روسيا، يتمسك بالحضارة السلافية ـ الأوراسية، ويؤكد الاستعداد للمواجهة الحربية إذا اقتضت الضرورة، ولا يستطيع الأوروبيون تجاهل قوته، وإن كانوا متحدين في سبع وعشرين دولة. وفي الوقت نفسه، لا يغلق الباب أمام التفاوض من أجل تسوية عادلة، ما يشير إلى أن احتمالات الحرب بدأت تتفوق على غيرها من المعطيات.
احتمالات التسوية، بالمقابل، ضعيفة، فـالقارة العجوز تعاني من اضطرابات اقتصادية وطاقوية هائلة قد تدفع قادتها نحو الهرب إلى الأمام، ولا سيما بريطانيا، ثم فرنسا، ثم استتباع ألمانيا التي تحاول الخروج من قيود التسلح المفروضة عليها منذ الحرب العالمية الثانية، إذ تعمل على رفع موازنة جيشها إلى ما يقارب 200 مليار يورو. أما الدول الأوروبية الأخرى، فتعيش حالة التأثر الاستتباعي بهذه القوى الثلاث، من دون أن يكون لها شأن فعلي في القيادة.
لا يوجد حتى اللحظة أي معطى يشير إلى أن الحرب في أوكرانيا ستتوقف، ولا تظهر أي بوادر لتوقفها. وإذا كان صحيحاً أن روسيا استقرت في الدونباس ودونيتسك (جنوب شرق أوكرانيا وجنوب غرب روسيا) بعد جزيرة القرم في العام 2014، فإن الصحيح أيضاً أنهما لا يمثلان الهدف الوحيد لدى روسيا.
المسألة في العمق هي حلف الناتو الذي يهاجم روسيا عبر الوقوف خلف أوكرانيا ودعمها، وربما سيشارك معها بالحضور العسكري المباشر في محاولة لتطويق روسيا من البحر الأسود وبحر البلطيق. الأمر الذي يذكرنا بالوقائع التاريخية القديمة في الصراع بين الإمبراطورية الروسية البرية بمعظمها (أكثر من 17 مليون كيلومتر مربع) وبين الإمبراطورية البحرية البريطانية على الممرات المائية والمياه الدافئة، وعلى منطقة أوراسيا.
آنذاك فشلت بريطانيا، لكن خبراءها الاستراتيجيين اليوم ما زالوا يعيشون أوهام استعادة هذه التجربة، ولا يريدون أن ينتبهوا إلى تحذيرات بوتين التي لا تقف عند حدود السياسة، بل تتجاوزها إلى الاستراتيجيا، بما فيها الرد بالحرب العاصفة إذا جرّ البريطانيون أوروبا إلى حرب خاسرة ستعجل حتماً في تفكيكها واتحادها أكثر مما هي عليه الآن من حالة التفكك والضعف والارتباك.
النظرة الاستراتيجية الروسية الراهنة لأوكرانيا تختلف عما كانت عليه في السابق، أيام القياصرة أو أيام السوفيات. حينذاك، كانت التأثيرات تكاد تنحصر في أوروبا، وفي بعض الجوار القوقازي لروسيا. أما اليوم، فالتعقيدات القائمة في الساحة الدولية تشمل كل العالم.
الآن، روسيا متحالفة مع الصين وكوريا الشمالية وإيران، وتحمي امتدادها الاستراتيجي في أوراسيا عبر قدرتها على التحرك في القوقاز في أي وقت، وعبر التحالف المحوري من خلال منظمة شنغهاي التي تزداد فعالية، ثم في أقصى آسيا عبر منظمة آسيان، وتعزز حضورها في أفريقيا من دون تنافس مع الصين، فيما يتراجع النفوذ الأوروبي في القارة السمراء.
إزاء ذلك، يزداد المعنى العالمي في معركة أوكرانيا مع الناتو. فمن هناك، إذا غامر الغرب، ولا سيما لندن وواشنطن، قد تندلع حرب عالمية ثالثة، يوازيها احتمال هذا الاندلاع أيضاً في الشرق بسبب الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران.
الحرب كلمة تثير الرعب عند الناس، لكن الرأسمالية الدولية لا يعنيها ذلك، فعندها لا بأس بملايين القتلى مقابل الحفاظ على الأرباح والقيمة الزائدة. ومعظم الحروب المعاصرة نفذتها الرأسمالية الإمبريالية لهذا الغرض، ولغاية كبرى لديها، وهي الاستمرار في نهب ثروات الشعوب، والسيطرة على الممرات البحرية وموارد الطاقة والمعادن النادرة التي تحتاجها الثورة الصناعية الجديدة.
وهكذا، نحن أمام صورة دولية شديدة التعقيد. معركتان بعيدتان جغرافياً: أوكرانيا وإيران، لكنهما متقاطعتان ومترابطتان استراتيجياً. الأولى، تصد فيها روسيا الغرب من شرق أوروبا، والثانية، تصد فيها إيران الولايات المتحدة و«إسرائيل» من جنوب غرب آسيا، وبينهما كل الممرات التي أصبحت في حالة اشتعال الماء، من هرمز إلى باب المندب إلى قناة السويس إلى مضيق ملقا، من دون أن ننسى الصراع على أعالي البحار في المحيطات الكبرى: الأطلسي والهندي والهادئ.
الأهم أن كلتا الحربين تتجاوزان بُعدهما الإقليمي لتؤديا حتماً إلى نتائج عالمية. سيتغير بعدهما الوضع الدولي إلى التعددية القطبية بدلاً من الأحادية التي تعاني من إرهاصات السقوط، ولو بعد حين قريب. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلا معنى عندئذ للتصدي الروسي ولا للصمود الإيراني.
الصين في قلب هذه المعمعة الكونية، بل قد تُعد الآن القوة الاحتياطية. تريد انتصار روسيا، وهذا هو المرجح، وتتمسك بالحفاظ على إيران، وتتبنى استراتيجية التداخل بين الصراعات الدولية، فلا تفصل بين حرب وأخرى. وكل المؤشرات تدل على أن بكين ستكون هي الضابط الدولي الجديد بعد أن تتحول أميركا إلى مجرد قوة كبرى لا عظمى. واستناداً إلى مبدأ عدم الفصل الاستراتيجي بين الحروب الدائرة حالياً، تعمق الصين دخولها إلى «الشرق الأوسط» بهدوء ثقيل وثابت عبر بوابة مصر.
الحسابات المستقبلية للدول تقوم على هذه المعطيات الاستراتيجية التي تتبلور في أوكرانيا وإيران. من يلتقط هذه المؤشرات يستطيع أن يحمي نفسه ودوره، ومن يغفل عنها سيكون الضحية في هذه التحولات المرتقبة.
من هم الأكثر خسارة المحتملون؟ يظهر هنا طرفان: الاتحاد الأوروبي والعرب. الأوروبيون لن تحميهم أميركا، ولن يتمكنوا من هزيمة روسيا، ولا من عزلها من جهة البلطيق والبحر الأسود، ولا من جهة آسيا في التقاطع الأوراسي. ومن ثم فإن الاتحاد الأوروبي مهدد بالاهتلاك وبالعودة إلى ما قبل معاهدة ماستريخت، وستهلكه سياساته المعادية للحضارة السلافية، والنظرة إلى روسيا بوصفها خطراً دائماً وداهماً، من دون أخذ الدروس من التجارب النابليونية والنازية.
أما العرب، فسيكونون أكثر خسارة طالما لم يفكروا حتى الآن بالخروج من الاستتباع الأميركي، ولم يشاؤوا أن يأخذوا بالحسبان أن المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي، إذا استمر، سيجرفهم جرفاً. ولم يفكروا، في الحد الأدنى، بتنويع شراكاتهم الدولية، على الأقل كما فعلت مصر.
معركتان في أوكرانيا وإيران. إقليميتان جغرافياً واستراتيجيتان عالمياً. لن تنتهيا إلا معاً، وإذا سبقت إحداهما الأخرى، فنتائجها ستنعكس على الثانية، وعلى كل العالم.
