“ديبلوماسية الديزل” بين ترامب وبوتين.. إعادة رسم معالم حربي إيران وأوكرانيا

بين الاتفاق المفاجىء لتزويد أميركا بالديزل الروسي للتغلب على الارتفاع الصاروخي للأسعار في الولايات المتحدة قبل الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وإعلان الكرملين الدخول في وساطة بين طهران وواشنطن، يتمظهر الترابط المتزايد بين حربي إيران وأوكرانيا.

أخطأ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في تقدير مدى حاجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى خفض أسعار الديزل في الوقت القاتل الفاصل عن الانتخابات النصفية. في كاليفورنيا لامس سعر غالون البنزين العشرة دولارات. فجاء الاتفاق بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على عجل لتقديم يد العون للرئيس الأميركي في وقت الشدة التي أوقعته فيها حرب إيران.

زيلينسكي لم يستطع كتم غضبه ومعه قادة أوروبا، بسبب صفقة الديزل التي يُمكن أن تحرك عجلة التقارب بين الولايات المتحدة وروسيا، وتعيد رسم الدور الأميركي في أوكرانيا بما يخل بمعادلة “التوازن” في الخسائر بين روسيا وأوكرانيا.

الأمر الآخر اللافت للانتباه، هو اعلان الكرملين أن بوتين نقل إلى ترامب، بالتنسيق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رؤية طهران في شأن الحل المحتمل للصراع مع واشنطن. بوتين التقى في وقت سابق من هذا الأسبوع بالرئيس الإيراني على هامش قمة إقليمية في تركمانستان.

دخول بوتين على خط الوساطة، يأتي في وقت عاد الحديث فيه عن احتمال توجيه أميركا ضربات عسكرية على نطاق واسع لإيران، إما قبل الانتخابات النصفية أو بعدها مباشرة.

أسوأ مرحلة إقتصادية

هذا الحراك يتزامن مع الاستحقاق الفارق الذي يواجهه ترامب في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. فحرب إيران في شهرها الثامن والحزب الجمهوري مهدد بخسارة مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ، بسبب إيران، من بين أسباب أخرى. ومهما قلّل الرئيس الأميركي من انعكاسات النتائج على ما تبقى من ولايته، فإنه يتلمس سنتين من المتاعب تبدأ من قاعة الرقص في البيت الأبيض، إلى حفر اسمه على “مركز كينيدي”، إلى تشييد قوس النصر، إلى الحملة القضائية على خصومه، إلى الحرب التجارية على كندا، إلى التحضير لاحتمال مساءلته أمام الكونغرس للمرة الثالثة، وصولاً إلى إيران.

وبعد شهرين على حربه الاقتصادية ضد إيران، تبدت آثارها جلياً على سعر صرف الريال الإيراني الذي هوى إلى 2.7 مليون في مقابل الدولار الأميركي، وكذلك في ارتفاع التضخم إلى 90 في المئة على أساس سنوي، وفي زيادة البطالة، وفي هبوط صادرات النفط الإيراني إلى 250 ألف برميل يومياً من نحو مليوني برميل قبل الحرب. ويتحمل المواطن الإيراني عبء الحصار البحري والضغوط المالية الأميركية. ودفع هذا الوضع بأمين مجلس الأمن القومي محسن رضائي إلى الاعتراف بأن البلاد تمر بـ”أسوأ مرحلة” اقتصادية.

وتقول الباحثة في مركز “تشاتام هاوس” في لندن سانام وكيل، إن مشكلة ترامب، هي أنه يقيس المسألة من زاوية أن الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تنزلها أميركا بإيران، كانت كفيلة باسقاط أي دول غربية لو تعرضت لكل هذا الضغط. وتضيف أن ما لا يدركه ترامب هو كم هي وجودية هذه الحرب بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يحاول “تشكيل بيئة النزاع والاستعداد أيضاً لجولة أخرى من الحرب الشاملة، وهو ما تقوم به إدارة ترامب أيضاً”.

ورقة هرمز

يعتقد ترامب أن إيران فقدت ورقة هرمز، بناء على كمية النفط التي تتدفق عبر المضيق يومياً في الآونة الأخيرة. وصحيح أن عشرة ملايين برميل من النفط تمر في المضيق يومياً (في مقابل 16 مليون قبل الحرب). لكن هذه الكمية تمر بطرق مختلفة. وعلى سبيل المثال هناك دول خليجية تدفع رسوماً لإيران كي لا تتعرض لناقلاتها، وهناك سفن تطفىء محركاتها أثناء عبورها المسار العماني، مجازفة بالتعرض لاستهدافات إيرانية، وهناك سفن تعبر بحماية البحرية الأميركية.

هذا الوضع، سمح لأميركا وإيران الإدعاء في الوقت نفسه بالسيطرة على المضيق. لكن حقيقة الموقف الأميركي هي الاستعداد للتسليم بأي اتفاق إقليمي ينظم العبور، ويزيح عن البحرية الأميركية كاهل عملية مكلفة جداً وتتعارض مع مسار الانسحاب التدريجي من المنطقة. والعراق أبرز مثال على ذلك، وكذلك النأي بالنفس عن التدخل العسكري المباشر في حرب اليمن.

إذن، ما سر عودة ترامب إلى التهديد بالعودة إلى خيار الضربات الواسعة النطاق ضد إيران، مع ترجيح حصول ذلك حتى قبل الانتخابات النصفية، بعدما كان مثل هذا الخيار مرجحاً بعد الانتخابات؟ هنا، يجب الالتفات إلى تزامن الأمر، مع دفع ترامب بالملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وتقديمه على الممرات المائية، ولا سيما مضيق هرمز.

ضربة قبل الانتخابات

منذ جولة المفاوضات في نيويورك عبر الوسيط القطري الشهر الماضي، طرح البمعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اعادة ترتيب جدول القضايا الخلافية والبدء بالملف النووي. أما إيران فتقدمت باقتراح الأيام السبعة الفاصلة بين هدنة في هرمز، والشروع في بحث مسألة انهاء الحرب الأميركية وضمانات بعدم تعرض إيران لهجمات جديدة ووقف الحرب على “كل الجبهات” بما فيها لبنان، ورفع الحصار والعقوبات، والإفراج عن أرصدة مجمدة قبل الدخول إلى المسألة النووية. باختصار طالبت إيران بالعودة إلى جوهر مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد في 17 حزيران/يونيو والتي لم تعمر سوى أسبوعين.

إقرأ على موقع 180  مستقبل الأمن القومي الأميركي.. بصمة ترامب ستستمر طويلاً

بعد ذلك سلمت الولايات المتحدة الإيرانيين عبر قطر، اقتراحاً مضاداً يبدأ بالبحث في الملف النووي قبل كل شيء. واقترح نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس عرضاً للمرة الأولى بأن تخفض إيران قدراتها على تخصيب اليورانيوم، كمدخل للذهاب نحو اتفاق. كانت إدارة ترامب تتمسك إلى الآن، بوقف تام للتخصيب.

في هذا التوقيت بالذات، يدخل فلاديمير بوتين على خط الوساطة في وقت يقيم فيه علاقات استراتيجية مع إيران، ويمضي في توطيد العلاقات مع ترامب على حساب العلاقات مع أوروبا.

وقد يجد ترامب في عرض الوساطة الروسي، سبباً لإرجاء العودة إلى الحرب واسعة النطاق مع إيران، لا سيما وأنها ليست المرة الأولى التي يهدد فيها الرئيس الأميركي بالخيار العسكري ومن ثم التراجع عنه. ولعل الاتصال الهاتفي بين ترامب وبوتين ليل الجمعة الماضي، من شأنه أن يحمل مجدداً بصيص أمل في تجنب مزيد من التورط الأميركي في المستنقع الإيراني، ويوفر المخرج الذي يبحث عنه البيت الأبيض للخروج من الورطتين الإيرانية واليمنية.

هل تبادر طهران؟

تتقاطع هذه التطورات مع توقعات سابقة بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد يقدم على توجيه ضربة للبنى التحتية الإيرانية قبيل موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر، بهدف رفع شعبيته والتزاماً بسياسة ينادي بها منذ زمن وتستند إلى توفير كل الظروف التي تؤدي إلى إضعاف النظام الإيراني تمهيداً لاسقاطه.

غير أن هذه الفرضية التي شكلت أساس حرب 28 شباط/فبراير، لم تثبت صحتها وجرّت ترامب إلى تورط جديد في الشرق الأوسط. وترى الأستاذة المساعدة لدراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز نرجس باجوغلي والخبير الإيراني الأميركي في شؤون الشرق الأوسط والي نصر في مقال مشترك بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، أنه “في حال استئناف الحرب، ستشن إيران هجمات في أنحاء المنطقة بأسرها، وليس فقط في محيطها المباشر. إذ تسود في طهران قناعة بأن توخي الحذر والالتزام بسلوك يمكن التنبؤ به، لن يؤديا إلا إلى استجلاب المزيد من الضغوط الأميركية، ولن يسهم في تحقيق أهدافها العسكرية الرئيسية المتمثلة في إجبار واشنطن على سحب كافة قواتها من الخليج والاعتراف بهيمنة إيران”.

رسالة قاعدة فيرفورد

وغير بعيد عن السياق، يتناول الكاتبان في صحيفة “النيويورك تايمز” ديفيد إي. سانجر وإريك شميت، كيف اضطرت أميركا إلى سحب 12 قاذفة “بي-1” من قاعدة فيرفورد البريطانية الأسبوع الماضي، إثر تلقي معلومات عن تحضير إيران هجوماً بالمسيّرات ضد هذه القاعدة، على غرار الهجوم الذي شنّته أوكرانيا ضد قاذفات استراتيجية روسية بواسطة مسيّرات انطلقت من شاحنات في سيبيريا بالعمق الروسي العام الماضي. وتحتل قاعدة فيرفورد قيمة رمزية نظراً إلى أن التعاون العسكري الأميركي-البريطاني فيها يعود إلى الحرب العالمية الثانية عام 1944، ومنها انطلقت قاذفات أميركية وفرت غطاءً جوياً لإنزال القوات الحليفة على شواطىء النورماندي عامذاك.

وعلّقت دانا سترول المسؤولة البارزة عن سياسات الشرق الأوسط في عهد جو بايدن على الانسحاب من قاعدة فيرفورد قائلة: “تكمن المسألة الأكثر إثارة للقلق على الصعيد الاستراتيجي، إذ من المرجح أن يستوعب الإيرانيون درساً خطيراً، مفاده أن ترامب قابل للرضوخ للضغوط، وذلك من خلال إظهار القدرة على الاقتراب من القواعد العسكرية الأميركية في مناطق بعيدة كل البعد عن الشرق الأوسط”.

وعليه، يرى كاتب العمود في “النيويورك تايمز” نيكولاس كريستوف، أنه “يجب تدريس حرب ترامب مع إيران، ولعقود قادمة.. على الكيفية التي يمكن فيها للغطرسة أن تغرق الرئاسة وتدفعها إلى حلول عسكرية لمشاكل عالمية معقدة، وتزيدها سوءاً وتفاقماً”.

وبرغم تهديد ترامب المتجدد بشن حرب جديدة ضد إيران، فإنه في الوقت عينه، يبحث عمن “يمسك” بيده فلا يتمادى في الخطأ الاستراتيجي الذي وقع به في 28 شباط/فبراير الماضي.. والأفدح من ذلك أن التلويح بالحرب على أمل الوصول إلى نتائج مختلفة يثير القلق في الولايات المتحدة، ولا سيما داخل الحزب الجمهوري. وبحسب استطلاع لمجلة “بوليتيكو” الأميركية، فإن واحداً من كل أربعة ناخبين مؤيدين لترامب، يقول إن مرشحي الحزب يجب أن ينفصلوا عن الرئيس الأميركي للفوز في الانتخابات النصفية. وتُبرز هذه النتائج مدى إدراك الجمهوريين أن ترامب يشكل عبئاً على القائمة الانتخابية للحزب، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وأسعار الفائدة على الرهن العقاري.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ترامب.. الواد سيد البيت الأبيض