دول “اتفاق مكة” في طهران.. خفض تصعيد أم صفقة كبرى؟

في توقيت دولي وإقليمي بالغ الحساسية، استضافت طهران، أمس (الإثنين) اجتماعاً رباعياً ضمّ ممثلين عنها وعن السعودية وتركيا وباكستان، في محاولة لفتح نافذة سياسية وسط استمرار الحرب في الخليج والتوترات المتشابكة في الشرق الأوسط. وبحسب مصادر إيرانية مواكبة، لم يقتصر النقاش على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل شمل أمن الخليج ومضيق هرمز والأزمة اليمنية، واحتمال الانتقال من إدارة التصعيد إلى تفاهمات إقليمية أوسع.

تقول مصادر إيرانية متابعة إن الاجتماع الرباعي الذي عُقِدَ، أمس (الإثنين) في العاصمة الإيرانية، بمشاركة دول اتفاق مكة، وهي السعودية وتركيا وباكستان، إضافة إلى الدولة المضيفة، إيران، هو «اجتماعٌ مهمٌ جداً» في شكله وتوقيته ومضمونه. وقد شارك في الاجتماع الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي؛ الجنرال عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني؛ رئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم كالن، إضافة إلى الجنرال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وأعربت المصادر الإيرانية عن أملها في نجاح الاجتماع والتوصل إلى تفاهمات تستطيع إنهاء الحرب في المنطقة، والبدء بخطوات تدريجية لتعزيز الأمن والاستقرار فيها.

وقال وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، إن الاجتماع يوفّر فرصة لطرح اقتراح جديد لتشكيل إطار أمني إقليمي بين دول “اتفاق مكة” وإيران، يقوم على أساس عدم الاعتداء والثقة المتبادلة والتعايش المشترك.

ووصفت المصادر الإيرانية الاجتماع بأنه الأول من نوعه منذ 28 شباط/فبراير الماضي، تاريخ شنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، معتبرة أنه يؤشّر إلى إمكانية رؤية ضوء في آخر النفق، من أجل السير في مسار تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

اجتماع طهران الرباعي

ونقلت مصادر مواكبة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس بعيداً عن هذا الاجتماع الذي جاء بناءً على اقتراح باكستان وبموافقة جمهورية إيران الإسلامية، وذلك خلال الزيارة التي قام بها الجنرال عاصم منير إلى طهران الأسبوع الماضي، مشيرةً إلى أن دول المنطقة توصلت إلى نتيجة مفادها أن الأمن لا يتحقق إلا بالتعاون والمشاركة بين جميع دول المنطقة، وأن هذا الاجتماع يمكن أن يكون خطوة مشجعة للتحرك نحو سياسة الأمن الإقليمي الذاتي، على أن يكون اجتماع طهران خطوة تأسيسية في هذا الاتجاه.

وأضافت أن الاجتماع درس الوضع الأمني الإقليمي بإسهاب، خصوصاً في ظل تداعيات العدوان على إيران والمنطقة عموماً، والمخاطر التي تسببت بها إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو على الأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال استقباله المشاركين في الاجتماع الرباعي، استعداد بلاده لتعميق التعاون الإقليمي وتسوية الخلافات مع الدول الإسلامية، مشدداً على ضرورة الانتقال من التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية تعزّز الأمن والاستقرار والتنمية. وقال إن أمن دول المنطقة ومصالحها مترابطان، وإن التجارب أثبتت أن كثيراً من الاتفاقات الدبلوماسية تبقى حبراً على ورق ما لم تُترجم إلى نتائج ملموسة. ودعا إلى اعتماد المصالح المشتركة أساساً للعلاقات الإقليمية، وتحويل الحدود إلى فرص للتعاون الاقتصادي والعلمي والأمني، مؤكداً أن طهران ستدعم أي تفاهم يسهم في تعزيز التضامن والتنسيق بين دول المنطقة.

وفي ما يتعلق بالملف النووي والتوترات الإقليمية، جدّد بزشكيان التأكيد أن إيران لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، وأنها تتمسك بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والتزاماتها الدولية. وانتقد ما وصفه بازدواجية المعايير الأميركية، ولا سيما الجمع بين الدعوة إلى المفاوضات وممارسة الضغوط والتهديدات العسكرية، معتبراً أن هذه السياسة تقوّض الثقة وتعرقل فرص التسوية. كما دعا الدول الإسلامية إلى اتخاذ موقف منسّق لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، محذّراً من أن إضعاف أي دولة رئيسية في المنطقة يهدّد أمن الدول الأخرى، ومؤكداً أن التعاون الإقليمي يشكّل السبيل الأجدى لمواجهة الضغوط الخارجية.

الجدير ذكره أن الاجتماع تصدى لملفين مهمين، هما اليمن وإيران، حيث أكدت طهران مواقفها السابقة الداعية إلى إنهاء الحرب وجميع العمليات العسكرية في المنطقة، وإزالة جميع العقوبات المفروضة عليها، مقابل فتح مضيق هرمز وتسوية المشكلات المتعلقة بالملف النووي الإيراني، على أساس مذكرة التفاهم الموقّعة بين الولايات المتحدة وإيران (مذكرة اسلام آباد) في حزيران/يونيو الماضي.

وأعربت إيران عن استعدادها للمساعدة، إلى جانب السعودية وسلطنة عُمان، في إنهاء الأزمة اليمنية، بما يحقق المصالحة الداخلية وتشكيل حكومة يمنية تستطيع إنهاء الانقسام الداخلي والمجتمعي.

وحسب وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) صدر بيان صحفي عن المجتمعين جاء فيه أن المشاركين في الاجتماع الرباعي “اتفقوا على مواصلة الحوار الرامي إلى تعزيز التعاون بين الدول الإقليمية الأربع، بما في ذلك في مجال السلم والأمن في المنطقة”.

وتقف أمام مخرجات هذا الاجتماع تحديات كثيرة، على رأسها التحدي الإسرائيلي، أو العامل الإسرائيلي، الذي يضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب للاستمرار في الحرب ضد إيران «لإكمال المهمة» وعدم إنهائها.

اجتماع دول اتفاق مكة في أنقرة

ومن المعروف أن ترامب بحاجة إلى نتنياهو واللوبي اليهودي الذي يدعمه داخل الولايات المتحدة، حيث أعلن دعمه لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقررة اليوم (الثلاثاء)، بعدما كان قد قال سابقاً إنه رفع دعمه عنه، ما يؤشّر إلى حاجته إلى دعم اللوبي اليهودي لحملة الحزب الجمهوري الأميركي في الانتخابات النصفية المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

إقرأ على موقع 180  واشنطن وباريس "تشقان" أبواب الرياض.. لبنانياً

وتصرّ طهران على ضرورة إنهاء جميع العمليات العسكرية في المنطقة، وإنهاء حالة الحرب في جميع مناطق النزاع، بما فيها اليمن ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق وإيران، لأن بقاء أي أزمة عسكرية سيؤثر في بقية الأزمات في المنطقة. ولذلك، كما يقول الإيرانيون، يجب حل هذه الأزمات ضمن سلة واحدة.

وهناك تحديات أخرى تجسدها حقيقة وجود أوساط عربية سياسية قومية ومذهبية، إضافة إلى أوساط إيرانية متشددة حيال التقارب الإيراني – الأميركي والإيراني – الإقليمي.

فالوسط العربي المتشدد يشعر بأن أي تقارب إقليمي أو عربي مع إيران يصبّ في مصلحتها، وينهي الفرصة المتاحة حالياً للانقضاض على إيران ونظامها السياسي، حتى وإن اتفق ذلك مع الهدف الإسرائيلي بتقسيم إيران وتجزئتها.

وهذا الوسط، وإن كان منحسراً، فإنه موجود في بعض مراكز الأبحاث العربية، ويقدّم خدماته لأصحاب الرأي، ويسعى إلى التأثير في الرأي العام، للوقوف حائلاً دون أي تقارب محتمل.

أما الأوساط الإيرانية المتشددة، فتعتقد أن أي تقارب أو مفاوضات مع الولايات المتحدة، أو من يمثّلها، لا يستطيع حل المشكلات العالقة، لأنها تستند إلى سرديات مطوّلة عن عدم التزام الولايات المتحدة بتعهداتها منذ سبعين عاماً حتى الآن، ليس مع إيران فحسب، وإنما مع سائر المجتمع الدولي.

أما الوسط الثالث، فهو كيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي قد تتطابق مواقفه مع مواقف الوسطين الآخرين من حيث النتائج، لكنه يختلف عنهما في المضمون والأسباب.

وفي كل الأحوال، يُؤشر اجتماع طهران إلى تحوّل نحو أمن إقليمي أكثر استقلالية، ويُعدّ محاولة جادة لاحتواء التصعيد قبل أن يتفاقم؛ ولكن يعتمد نجاحه على ما إذا كانت المشاورات المستمرة ستُسفر عن ضمانات عملية، مثل تهدئة الأوضاع في اليمن أو فتح قنوات للتنسيق الأمني، أم ستبقى في إطار العناوين العامة والفضفاضة.

في غضون ذلك، أنهى وفد قطري زيارة قام بها إلى طهران أول من أمس (الأحد)، تتعلق بجهود الوساطة التي تقوم بها الدوحة لتخفيف التصعيد بين إيران والولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، غادر طهران أمس (الإثنين) الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان متوجهاً إلى موسكو للمشاركة في اجتماعات منظمة الدول المصدّرة للغاز، حيث سيلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويبحث معه تطورات الموقف في المنطقة، إضافة إلى التعاون بين البلدين.

في الخلاصة، لا تكمن أهمية اجتماع طهران في مجرد جمع أطراف إقليمية متباينة حول طاولة واحدة، بل في اختبار قدرتها على تحويل القلق المشترك من اتساع الحرب إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ. وتبقى عقدتا الملف الإيراني والأزمة اليمنية في قلب هذا الاختبار، فيما تُلقي الحسابات الأميركية والإسرائيلية والخلافات داخل المنطقة بظلالها على فرص النجاح. وبين احتمال التهدئة وخطر التصعيد، سيُقاس وزن الاجتماع في الأيام المقبلة بما ينتجه من خطوات ملموسة، لا بما يثيره من آمال أو تسريبات، ويسري ذلك على جهود عواصم أخرى بينها الدوحة وموسكو وعُمان. وتكتسب هذه الجهود أهميتها أيضاً في ظل استمرار تعثّر المسار الأميركي الإيراني، لكنها تبقى هشّة أمام أي تصعيد مفاجئ، ولا سيما من أحد الجانبين الأميركي والإسرائيلي.

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية، طهران

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  أجدني كفرتُ.. بالعروبة!