ثنائية التهدئة والحرب هي التي تحكم نظرة موسكو إلى أوروبا راهناً. اتفاقيتا مينسك ماتتا إلى غير رجعة منذ أكثر من أربع سنوات. لم تعودا تشكّلان أساساً لأي إجراء. يجب البحث عن أمر جديد، وهذا غير متوافر الآن.
ثنائية التهدئة والحرب هي التي تحكم نظرة موسكو إلى أوروبا راهناً. اتفاقيتا مينسك ماتتا إلى غير رجعة منذ أكثر من أربع سنوات. لم تعودا تشكّلان أساساً لأي إجراء. يجب البحث عن أمر جديد، وهذا غير متوافر الآن.
ليس أخطر ما في الحرمان أن يُبقي الناس خارج دائرة الفرص، بل أن يجعل حاجتهم جزءًا من العلاقة التي تربطهم بالسلطة. ففي لبنان، لم يعد التهميش مجرد نتيجة لفشل الدولة أو اختلال الاقتصاد؛ فالخدمة التي يُفترض أن تكون حقًا تصبح وساطة، والوساطة تتحول إلى نفوذ. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن والدولة، ازدادت قيمة من يستطيع ملء هذه الفجوة. هنا تتغير وظيفة الحاجة، ويبدأ اقتصاد الحاجة. حين لا تكفي الدولة لضمان الحق، يصبح من يملك طريق الوصول إليه جزءًا من السلطة.
كلما رحت أحث نفسي على إنجاز ما يفوق خطتي الأصلية؛ كلما تذكرت مثلا طريفًا كنت أسمعه من جدَّتي: "إن سرقت اسرق جمل وإن عشقت اعشق قمر"؛ والمراد أن يستهدف المرء دومًا بلوغ القمة؛ لا أن يكتفي بما دونها ولو كان مقبولا، وأن يستخدم كامل طاقته وجُلَّ مشاعره في الوصول إلى أقصى حد منظور.
لم تعد الحروب الدائرة حول أوروبا وفي جوارها مجرد أزمات جيوسياسية بعيدة عن المواطن الأوروبي. فالحرب الروسية ـ الأوكرانية، ثم الحرب في الشرق الأوسط وما رافقها من اضطراب في حركة الملاحة والطاقة، بدأتا تتحولان إلى عاملين مؤثرين في حياة الأوروبيين: من أسعار الوقود والكهرباء والغاز إلى التضخم والنقل والهجرة والصناعة والقدرة الشرائية.
أمضى الإنسان معظم تاريخه في تغيير العالم كي يناسبه. روّض النبات والحيوان، أعاد تشكيل الأرض بالزراعة، ثم سخّر المادة والطاقة في الثورة الصناعية، قبل أن تمنحه ثورة المعلومات قدرة غير مسبوقة على تخزين المعرفة وتداولها والتأثير في السلوك.
أعاد قرار منح العاملين في القطاع العام في لبنان، من مدنيين وعسكريين، ستة رواتب إضافية فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الانهيار الاقتصادي والمالي، إذ كيف يمكن للدولة أن تُصحّح أجور موظفيها المنهارة، من دون أن تعيد إنتاج الاختلالات المالية والنقدية التي أوصلت الاقتصاد إلى أزمته التي انفجرت في العام 2019؟
في الحروب الكبرى، لا تبدأ التسويات يوم يصمت السلاح، بل قبل ذلك، عبر قنوات جانبية ولقاءات تبدو منفصلة وإجراءات إنسانية صغيرة قد تصنع، بتراكمها، الطريق إلى طاولة التفاوض. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحركة الدبلوماسية للكرسي الرسولي، من موسكو إلى أوروبا والشرق الأوسط، بوصفها محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما تضيق القنوات الأخرى.
لم يكن المشهد الذي شهدته أوروبا في منتصف أيلول/سبتمبر 2026 مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة. رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ينتقل بين بروكسل وباريس وبريطانيا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تطرح للمرة الأولى فكرة منح كندا وضع «عضو منتسب» في الاتحاد الأوروبي، فيما تعلن أوتاوا رسمياً طلب الانضمام إلى قوة التدخل المشتركة JEF التي تقودها بريطانيا وتضم عشر دول أوروبية أعضاء في الناتو.
بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، ألغى دونالد ترامب الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس السابق جو بايدن بشأن الذكاء الاصطناعي. ثم أصدر، في 11 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، أمراً تنفيذياً لإنشاء فريق عمل في وزارة العدل للطعن في قوانين الذكاء الاصطناعي التي تقرها الولايات، إذا اعتبرتها الإدارة معرقلة للابتكار، وربط بعض أشكال التمويل الفيدرالي بالقيود التي تفرضها الولايات على تطوير الذكاء الاصطناعي.
عقب اتساع رقعة المواجهة الإقليمية على خلفية حرب غزة، كان لافتاً للانتباه صعود ظاهرة جيوسياسية أربكت الحسابات الاستراتيجية التقليدية: تحوّل تنظيم محلي يسيطر على جزء واسع من اليمن المنهك إلى طرف قادر على التأثير المباشر في حركة الملاحة البحرية العالمية، ودفع القوى الغربية إلى استدعاء أساطيلها لحماية ممرات البحر الأحمر. تحولٌ لا يُعبّر عن تغيّر جذري في موازين القوة، وحسماً ميدانياً لمصلحة «أنصار الله» (الحوثيين) في مواجهة القوى الدولية أو الإقليمية، لكنه يمثل نمطاً متطوراً من استخدام أدوات محدودة الكلفة لإنتاج مفاعيل استراتيجية وتكاليف اقتصادية تفوق حجم تلك الأدوات بأضعاف.