اليوم، لا تواجه روسيا جيشاً عند حدودها مع أوكرانيا بقدر ما تواجه طوقاً جيوسياسياً خانقا. ففي الشمال، تحوّل بحر البلطيق إلى ما يشبه البحيرة الأطلسية، وفي الجنوب، يُعتبر البوسفور نقطة اختناق (بإشراف أطلسي) دائمة ومتحكمة في حجم الحضور الروسي في البحرين الأسود والمتوسط. وبين البلطيق والبوسفور، تقف روسيا أمام سؤال وجودي: كيف يمكن لقوة قارية أن تحافظ على مكانتها ومنافذها البحرية وهي تحت سيطرة الخصوم عملياتيّا؟
هذا الوضع الجيوبوليتيكي الروسي المعقد، يجعل موسكو لا تنظر إلى إيران من زاوية النظر الغربية، التي تختزلها في خزان موارد وسوق كبرى ورافعة في المواجهة مع الصين. إيران بالنسبة للكرملين ليست مجرد دولة شرق أوسطية، بل إحدى ركائز التوازن الأوراسي. فبحر قزوين الذي يمثل أحد أكثر المجالات أمناً لروسيا، يفقد كثيراً من قيمته الاستراتيجية إذا أصبحت الضفة الجنوبية له جزءاً من المنظومة الأطلسية، كما كان الحال خلال عهد الشاه محمد رضا بهلوي.
ما تخشاه موسكو ليس سقوط حليف سياسي فحسب، بل انهيار خط دفاع جيوسياسي كامل. فبعد تمدد حلف “الناتو” شرقاً ومحاولات خنق روسيا اقتصادياً وعسكرياً، لم يعد لدى الكرملين ترف التفريط بالمجال الأوراسي الممتد من قزوين إلى الخليج. ومن هنا، يصبح مضيق هرمز جزءاً من المعادلة الروسية، حتى وإن بدا بعيداً عن حدودها آلاف الكيلومترات.
لذا، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر للطاقة، بل عقدة استراتيجية تتحكم في جزء كبير من حركة التجارة العالمية. وإذا كان البوسفور يمثل عنق الزجاجة الروسي نحو المتوسط، فإن هرمز يمثل البوابة الجنوبية التي تسمح للقوى الأوراسية بالوصول إلى المحيطات بعيداً عن الهيمنة البحرية الغربية التقليدية. ولذلك فإن أي محاولة لإخضاع إيران أو إعادة دمجها في المنظومة الغربية لا تعني تغييراً إقليمياً فحسب، بل تعني إعادة رسم ميزان القوى على امتداد «الهارتلاند» الأوراسي.
من هنا، يمكن فهم الترابط بين البلطيق والبوسفور وقزوين وهرمز. هذه الملفات ليست منفصلة كما يتبادر أحيانا، بل تشكل حلقات في صراع بين رؤيتين للعالم: رؤية أحادية تعتبر أن مركز القرار الدولي يجب أن يبقى في واشنطن، ورؤية أخرى تسعى إلى عالم متعدد الأقطاب تمتلك فيه القوى الحضارية الكبرى حق الدفاع عن مصالحها ومساراتها التنموية المستقلة. هذا التحدي يزداد تعقيداً إذا ما نظرنا إلى تحول المواجهة الروسية الأطلسية في أوكرانيا إلى استنزاف وصراع إرادات يُذكّر بتجربة الحرب السوفياتية الأفغانية السابقة؛ التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفياتي. ويمكن هنا التساؤل حول مدى تحول الحروب الروسية من أدوات لفرض وقائع جيوسياسية إلى مأزق، بسبب غياب سيناريوهات الخروج وصعوبة التوظيف السياسي الناجح لإنجازات الميدان؟ وهذا ما سيتم التطرق اليه بشيء من التوسع في الفقرة الآتية.
من كابول إلى كييف.. الاستشراف نمطاً!
يبدو عنوان هذا القسم تلميحا لوجود متلازمة حرف «الكاف»، بسبب تشابه حرف البداية بين كابول وكييف. وللوهلة الأولى، تبدو المقارنة بين أفغانستان وأوكرانيا متعسفة، لكنّ السؤال المطروح في الحقيقة، لا يتعلق بتشابه الحربين في الظروف أو النتائج، بقدر ما يتعلق بإمكانية وجود نمط متكرر في علاقة القوة الروسية بالحروب الطويلة. ويُطرح في أوساط مختصة في تحليل بنية الصراعات الدولية تساؤلٌ يستحق التأمّل: ألم يتحول الاستنزاف بالنسبة للروس، من أداة لتحقيق الأهداف السياسية، إلى معضلة بنيوية استراتيجية؟
الحرب السوفياتية في أفغانستان كانت جزءًا من الحرب الباردة، بينما تتجاوز أوكرانيا الحسابات الجيوسياسية الروسية التقليدية بما تمثله في الوعي التاريخي الروسي. فكييف ترتبط بجذور الدولة السلافية الشرقية الأولى، وببدايات السردية الحضارية التي تستند إليها الهوية الروسية الحديثة. ولهذا، تبدو الحرب الأوكرانية أكثر حساسية من أي مواجهة خاضتها موسكو منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
ومع ذلك، فإن اختلاف السياقات لا يلغي وجود مشتركات تستحق التوقف عندها وتحليلها بروية. ففي الحالتين دخلت موسكو الحرب من منطلق «العملية العسكرية المحدودة»، التي يمكن التحكم بمسارها السياسي والعسكري، قبل أن تنقلب تدريجيًا إلى صراع طويل. وفي الحالتين أيضًا، شكّلت الحرب فرصة للقوى الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، لاحتواء القوة الروسية واستنزافها ضمن مواجهة ممتدة.
التشابه الأهم، لا يكمن في طبيعة الميدان بل في طبيعة التحول الذي يطرأ على الحرب نفسها. فعندما يطول أمد الصراع، لا يعود السؤال متعلقًا بحجم الأراضي المسيطر عليها أو عدد المعارك المحسومة، بل بقدرة الدولة على تحمل الكلفة المتراكمة للحرب دون أن ترتدّ على توازنها الداخلي وأولوياتها الاستراتيجية.
ومن هنا، يبرز أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الحرب الأوكرانية: إذا كانت أوكرانيا بهذه الأهمية الاستراتيجية والرمزية لروسيا، فلماذا لم تلجأ موسكو منذ البداية إلى مستويات أعلى من الحسم العسكري؟ ولماذا اتخذت الحرب شكل التقدم البطيء والاستنزاف المتبادل بدل الحسم السريع الذي توقعه كثيرون؟ مشروعية السؤال تجد جذورها في تجارب سابقة، لعلّ اكثرها حضوراً في ذاكرة الشعوب وفي تحاليل المختصين هي حرب الشيشان ومأساة غروزني.
يمكن تفسير ذلك عبر احتمالين رئيسيين. الأول، أن القيادة الروسية أخطأت في تقدير قدرة الدولة الأوكرانية على الصمود، كما أخطأت في تقدير حجم الانخراط الغربي السياسي والعسكري والاقتصادي في الحرب. أما الثاني، فهو أن بعض دوائر القرار الروسية رأت في إطالة أمد الصراع فرصة لإرهاق أوروبا واستنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية وإعادة خلط التوازنات داخل المعسكر الغربي. وقد أظهرت السنوات الماضية بالفعل بعض مظاهر الضغط داخل أوروبا، لكنها لم تنجح في إبعاد العواصم الأوروبية عن هدفها الأساسي المتمثل في دعم أوكرانيا ومنع انهيارها العسكري والسياسي.
غير أن الاستنزاف سلاح مزدوج؛ يُرهق الخصم لكنه يفرض في الوقت نفسه أثمانًا متزايدة على من يعتمد عليه. وقد أثبت التاريخ مرارًا أن هشاشة الدول الكبرى لا ترتبط لزاماً بإمكانية الهزيمة العسكرية المباشرة، بل باهتزاز توازنها عندما يتحول الصراع إلى حالة دائمة تستنزف الموارد والطاقات، وتفرض اعادة ترتيب أولويات الدولة والمجتمع (تسبيق الانفاق الأمني على الاجتماعي). وتجربة الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، تُظهر بدورها أن التفوق العسكري لا يضمن دائمًا تحقيق الأهداف السياسية المرجوة؛ إذا طال أمد الانخراط في الصراعات الخارجية كما حدث في فيتنام والعراق وأفغانستان.
أوراسيا والنظام الدولي الجديد
أظهرت روسيا حتى الآن، قدرة معتبرة على التكيف مع العقوبات والضغوط الخارجية، لكن استمرار الحرب يفرض اختبارات لا تقاس بالمؤشرات العسكرية وحدها. فروسيا اليوم، ليست الاتحاد السوفياتي من حيث الحجم السكاني أو القاعدة الاقتصادية أو القدرة الصناعية، كما تواجه ضغوطًا اقتصادية متراكمة تزيد حدتها بسبب تحديات ديموغرافية مزمنة وهجرة الكفاءات.
وأوروبا ليست بمنأى عن آثار الحرب، فقد دفعتها إلى زيادة الإنفاق العسكري وتحمل أعباء اقتصادية وسياسية إضافية. إلا أن القارة الأوروبية تتحرك ضمن فضاء اقتصادي وتكنولوجي أوسع، ما يمنحها قدرة أكبر على توزيع الكلفة مقارنة بدولة تواجه تحديات ممتدة على أكثر من جبهة وتسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على نفوذها الخارجي ومجالاتها الحيوية.
وبالعودة إلى عبارة «متلازمة الكاف»، فهي لا تشير إلى تشابه بين كابول وكييف بقدر ما تعبر عن احتمال تكرار مأزق استراتيجي واحد: دخول حرب يُفترض أنها محدودة، ثم التحول تدريجيًا إلى إدارة استنزاف مفتوح يصعب تحديد نقطة نهايته أو رسم ملامح مخرجه السياسي.
ولا يعني ذلك أن مصير أوكرانيا سيكون نسخة من أفغانستان، فالفوارق بين التجربتين كبيرة إلى درجة تمنع أي إسقاط مباشر. لكن الدرس الذي تمنحه التجارب التاريخية يبقى قائمًا: كلما طال أمد الحرب، ازدادت احتمالات أن تتحول من أداة في خدمة السياسة، وفق المعنى الكلاوسفيتسي التقليدي، إلى عامل يعيد تشكيل السياسة نفسها. ففي الحالة الأوكرانية، قد لا يكرر التاريخ نفسه بصورة حرفية، لكنه يعيد إنتاج بعض المعضلات ذاتها في ظروف مختلفة. وإن تَكرَّم عصر «نهاية الأيديولوجيا» وسمح باستدعاء لينين للحظة، فالتجارب لا تتكرر كما هي، لكنها كثيرًا ما تعود في هيئة مآزق جديدة.
وفي المحصلة، تبدو روسيا اليوم وكأنها تخوض معركة جغرافيا قبل أن تكون معركة سياسة. فكل ضغط يمارس عليها في البلطيق يدفعها جنوباً، وكل تهديد لموقعها في البحر الأسود يزيد من أهمية إيران وقزوين وهرمز. ومن هذه الزاوية تحديداً، لا تبدو الأزمة الروسية مجرد مواجهة مع أوكرانيا أو مع “الناتو”، بل فصلاً جديداً من الصراع الطويل على قلب أوراسيا ومستقبل النظام الدولي.
وتمتلك روسيا خبرة تاريخية طويلة في الصبر الاستراتيجي وتحمل الضغوط، غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أن الحروب المفتوحة تترك آثارها حتى على أكثر الدول تماسكًا. فالمعضلة ليست في القدرة على مواصلة القتال على الجبهات البرية، بل في امتلاك تصور واضح لكيفية إنهائه، وخاصة كيفية التصدي للجيل الجديد من الاستنزاف بالمسيرات والمحلقات وتخريب القدرات الاقتصادية.
وختامًا، تبقى القضية الجوهرية أبعد من حسابات الربح والخسارة الميدانية. فالدول الكبرى لا تنهار بالضرورة عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما يدفعها طموحها، أو فائض ثقتها بقوتها، إلى صراعات تستنزفها بنيويًا. والخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق الأهداف إلى غاية قائمة بذاتها؛ سواء بفعل ميكانيزمات الصراع نفسها أو بفعل المصالح التي تنمو في هوامشها، من أسواق السلاح إلى رهانات إعادة الإعمار. وعند تلك النقطة، تُدفع كلفة الحفاظ على الصلابة العسكرية من رصيد المجتمع والاقتصاد ومستقبل الدولة، ويصبح السؤال عن سيناريو إنهاء الحرب «الآمن» أكثر أهمية من السؤال عن كيفية مواصلة خوضها.
