“حرب الخليج الثالثة”.. حين يصبح الاستنزاف استراتيجية!

تشهد المنطقة اليوم ما يمكن وصفه بـ"حرب الخليج الثالثة"، التي تأتي بعد حربي 1991 و2003، لكنها تختلف عن سابقتيها في طابعها، وطول أمدها، وتعقيداتها. فقد بدأت هذه الحرب فعليًا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تاريخ اندلاع "طوفان الأقصى"، ومرّت بمراحل متعددة.

في مراحلها الأولى، حققت إسرائيل انتصارات في غزة ولبنان، من دون أي تدخل فعّال لوقف أهوال الحرب، بينما تغيّر المشهد جذريًا في سوريا. ثم انتقلت الحرب إلى مرحلة جديدة منذ نهاية شباط/فبراير 2026، شملت إيران ودول الخليج العربي، ولا تزال مستمرة، على الرغم من المفاوضات الجارية لإيجاد حلول لها وآليات لـ”خفض التصعيد”. فما التطلعات إلى مآلاتها؟

في بداية هذه المرحلة الأخيرة، التي أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم “عملية الغضب الملحمي”، كان من المتوقع أن تعلن إيران، بعد اغتيال قادتها الرئيسيين، استسلامها الكامل للولايات المتحدة، على غرار اليابان في الحرب العالمية الثانية، أو أن تنفجر صراعاتها العرقية الداخلية في حرب أهلية تؤدي إلى تقسيمها. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. فقد استمرت إيران، برغم إضعافها، متماسكة، تدير الحرب والتفاوض معًا بدقة ملحوظة، بل حوّلت الحرب إلى أزمة عالمية من خلال إغلاق مضيق هرمز والتفاوض حول مستقبله، بما يعني أن “دولتها العميقة” ما زالت قائمة.

لم يتحقق، إذًا، “النصر الحاسم”، ودخلت الحرب في مراحل متعاقبة من التصعيد والتهدئة، بسبب قيود عدة فُرضت على كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، من بينها محدودية مخزون الذخائر، وضغط الرأي العام الداخلي، وحسابات التحالفات الإقليمية والدولية. وكان لافتًا أن حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، هما السعودية وتركيا، قدّما تعازي رسمية لإيران في مأتم المرشد الأعلى علي خامنئي.

لكن يبقى التساؤل قائمًا: ماذا كان سيترتب على “نصر حاسم” واستسلام إيران؟ هل كانت الولايات المتحدة ستعيّن حاكمًا أمريكيًا للبلاد، كما فعلت عند غزوها العراق؟ وهل كانت ستكرر الأخطاء نفسها في تفكيك الدولة، التي أدت آنذاك إلى ظهور تنظيم “داعش”؟ أم أنها كانت ستعمل على إعادة نهوض إيران اقتصاديًا واستراتيجيًا وتقنيًا، على غرار ما فعلته مع اليابان، لتوظف إمكاناتها لاحقًا في صراعات مستقبلية؟

وربما هنا يكمن جزء من الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول مآلات الحرب. فإسرائيل لن تقبل بوجود دولة يمكن أن تنافسها في المنطقة، حتى لو كان هذا التنافس اقتصاديًا وتقنيًا فحسب، ولا حتى إذا كانت تلك الدولة تركيا، العضو في حلف الناتو. وينطلق ذلك من استراتيجية “التفوق النوعي” على دول المنطقة، منفردة أو مجتمعة، التي تبنتها إسرائيل منذ نشأتها، والتزمت بها الولايات المتحدة عبر تشريعات صاغها الكونغرس.

كذلك يمكن لمثل هذا “الحسم” أن ينهي حالة الاستقطاب السني–الشيعي في المنطقة، ليعيد الأمور إلى مركزية القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. وليس من قبيل الصدفة أن تدخل باكستان، القوة النووية وصاحبة أكبر تجمع سكاني شيعي بعد إيران، على خط الصراع والمفاوضات لإيجاد مخرج له. وفي الوقت نفسه، تبنت إسرائيل والولايات المتحدة فكرة تحالف “هندي–إبراهيمي”، يضم حاليًا الهند – الخصم التاريخي لباكستان – والإمارات وإسرائيل، بوصفه محورًا لإعادة صياغة الترتيب السياسي والاقتصادي للمنطقة، بما في ذلك ترتيبات ما بعد “الحسم”.

إلا أن ما يجري فعليًا هو سيناريو “حرب استنزاف”: تذبذب متكرر بين “شبه حرب” و”شبه سلام”، من دون أي جدوى فعلية لمذكرة التفاهم التي وُقّعت بين الطرفين. لكن جميع الأطراف، من دون استثناء، تستنزف.

إيران تستنزف؛ فقد تجاوزت تقديرات خسائرها الاقتصادية 140 مليار دولار، ووصل التضخم فيها إلى مستويات يصعب احتمالها. والولايات المتحدة تستنزف؛ فقد طلب البنتاغون اعتمادًا تكميليًا بقيمة 200 مليار دولار لتعويض الذخائر والمعدات، فيما تناقش الميزانية الدفاعية لعام 2027 مبلغًا قياسيًا يقارب 1.5 تريليون دولار، سيعود جزء منه لتعويض الاستنزاف الإسرائيلي. ودول الخليج العربية تستنزف خلال الحرب، فضلًا عن أنها موعودة بدفع كلفتها بعد انتهائها. ومصر تستنزف مع تراجع إيرادات قناة السويس بصورة حادة. والعراق يستنزف مع تعطل مرفئه الوحيد. والاقتصاد العالمي يستنزف مع تراجع كميات الأسمدة المتاحة وتأثير ذلك في الإنتاج الزراعي، ومع تعطيل إمدادات الهيليوم القطري الضرورية لصناعة أشباه الموصلات، إلى غير ذلك. كما تستنزف دول آسيا مخزونها من النفط والغاز.

بيد أن هناك مستفيدين من هذا الاستنزاف، وكلما طال أمده ترسخت مصالح مؤسسية في استمراره. وفي مقدمة هؤلاء شركات النفط والغاز الأمريكية، التي باتت أوروبا وآسيا تعتمدان عليها بدرجة كبيرة، ولا سيما بعد العقوبات المفروضة على روسيا؛ وشركات الصناعات العسكرية الغربية، التي بلغت أرباحها مستويات قياسية، مع تزامن استنزاف “حرب الخليج الثالثة” مع استنزاف الحرب الروسية–الأوكرانية؛ ومعها الصناعات التقنية والعسكرية الإسرائيلية، التي يجري العمل حاليًا على دمج تمويلها مع نظيرتها الأمريكية؛ فضلًا عن قيادات سياسية أمريكية، وأقربائها وأصدقائها، ممن يجنون جميعًا، على المستوى الشخصي، أموالًا طائلة من تذبذب الأسعار المرتبط بتذبذب مآلات الحرب.

لكن السؤال الكبير هو: هل تُستنزف الصين في هذه الحرب، على غرار استنزاف روسيا في حرب أوكرانيا؟ الإجابة ليست مؤكدة، ولهذا احتاج بنيامين نتنياهو إلى كثير من الجهد لإقناع الرئيس الأمريكي بالدخول فيها، وربما يعود إلى ذلك سبب البرود النسبي الذي طبع لقاءهما الأخير.

إقرأ على موقع 180  التطبيع السعودي فرصة لفلسطين.. وإلا لاتَ ساعة مندم

أما إسرائيل، وبرغم أنها تستنزف، فإنها تحقق مكاسب كبيرة في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا. في المقابل، يستنزف دونالد ترامب رصيده من الشرعية السياسية، مع توقعات بتكبد حزبه هزيمة كبيرة في الانتخابات النصفية. إنه إنهاك أمريكي يتراكم بصمت.

لكن يبقى هذا الاستنزاف عرضة لأن ينزلق، في أي لحظة، مع استهداف البنى التحتية الإيرانية، نحو تصعيد كبير يطال دول الخليج العربية بصورة خاصة، وهو تصعيد قد لا يكون ممكنًا احتماله، ويعيد الأمور إلى سيناريو “النصر الحاسم”.

من الواضح أنه لا مصلحة حقيقية للدول العربية في “حرب الاستنزاف” القائمة. لكن ما مصلحتها أيضًا في “الحسم”؟ فإذا انهزمت إيران مع بقائها دولة متماسكة لتصبح “حليفة” للولايات المتحدة، أو إذا انقسمت إلى دويلات، فإن المسار نحو بناء توازن جديد معها أو في مواجهتها سيظل محفوفًا بالمخاطر، بين فرص الاستقرار واحتمالات التهديد. هذا فضلًا عن أن إسرائيل هددت بأن الصراع القادم سيكون إما مع مصر أو مع تركيا.

وفي ظل غياب آلية لموقف عربي متماسك، سواء على مستوى جامعة الدول العربية أو حتى مجلس التعاون الخليجي، يبرز سؤال جوهري: ما الإطار الإقليمي الأوسع الذي يمكن أن يرسي قدرًا من الاستقرار الدبلوماسي والاقتصادي والأمني في المنطقة؟ وهل يمكن للتحالف “الهندي–الإبراهيمي” أن يشكل صيغة لذلك؟ كثيرون يشككون في ذلك، بمن فيهم تركيا، التي ترى أن التهديد الذي سيلي إيران سيطالها بدوره، وكذلك باكستان.

تبقى حرب الخليج الثالثة حربًا إسرائيلية بامتياز، على خلاف سابقتيها، اللتين كانتا، في المقام الأول، حربين أمريكيتين.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لماذا يتم تحميل إيران مسؤولية "خراب بلدان المنطقة"؟