مصر والصراع الليبي بانتظار «غودو» الأميركي

ليس من قبيل المبالغة القول أن الأوقات التي تمر بها مصر حالياً هي الأصعب منذ أربعة عقود، ليس بسبب الوتيرة المتسارعة للمتغيرات التي تمر بها المنطقة والعالم وتفاقم أثارها بتداعيات وباء كورونا فحسب، ولا بسبب تعقد الأزمات التي تهدد الأمن القومي المصري جنوباً في أثيوبيا وشرقاً في ليبيا، علاوة على نزاع الحدود البحرية والاقتصادية المتعلق بغاز المتوسط، وإنما بسبب غياب البوصلة الأميركية لتحركات القاهرة الخارجية، وانتفاء دورها الوظيفي في خريطة السياسة الأميركية، وهو الدور الذي كان يمكن من خلاله إيجاد أرضية مشتركة للحيلولة دون الإضرار بالمصالح المصرية، التي دوماً ما كانت تُحدد منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي ضمن فلك سياسات الولايات المتحدة ومصالحها.

أولويات ترامب الخارجية، وتحديداً الخاص منها بالشرق الأوسط، لم تُحدد طيلة السنوات الأربع الماضية بحسب المصالح الاستراتيجية الكلاسيكية للولايات المتحدة، والتي غالباً ما كانت خطوطها العريض تنحصر في مسألة أمن إسرائيل وضمان تدفق النفط وأمن الملاحة والممرات الملاحية الاستراتيجية كقناة السويس. وهي المحددات التي بدورها تغيرت في السنوات الأخيرة إلى حد انتفاء بعض منها لوكالة حلفاء واشنطن الإقليميين لها في ما يخص أمن إسرائيل مثلاً؛ فقد تخلت واشنطن عن رعاية مباشرة لتطور العلاقات بين العواصم العربية وتل أبيب، والتي لم  تعد في حاجة إلى تدخل أميركي مباشر على غرار اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة وغيرهما، فذلك التدخل بات تراثاً عتيقاً تقابله اليوم حمى التنافس العربي-العربي للتطبيع والتحالف مع إسرائيل، وهو ما أفقد القاهرة لدور وظيفي كقاطرة لـ “السلام الأميركي”.

هذه النقطة المفصلية التي تقف عندها العلاقات المصرية – الأميركية بشكل مطرد خلال السنوات الأربعة الأخيرة، تتجاوز استيعاب المتغيرات الاستراتيجية التي تحكم العلاقات الثنائية بين البلدين، وكذلك موقع مصر في خريطة السياسة الخارجية الأميركية، والتي بدورها شهدت تغيرات جذرية في العقد الماضي، وخاصة في سنوات إدارة ترامب، والتي تميزت في الشق المتصل بالسياسة الخارجية، وبخاصة تجاه “شركاء” واشنطن التقليديين في المنطقة، بنمط شركاتي قصير المدى عابر للمؤسساتية القومية وصناعة القرار الاستراتيجي، ناهيك عن غياب مبدأ المصلحة المشتركة، والتعاطي مع هؤلاء “الشركاء” بتراتبية تخضع لأولويات ترامب الشخصية، وليس لضرورات الواقع السياسي الإقليمي والدولي، فضلاً عن محدودية هذا النمط في معالجة القضايا الاستراتيجية على المدى الطويل والمخاطر الناتجة عنه، وخاصة مع ظل مناخ الاستقطاب الداخلي الحاد في الولايات المتحدة، والذي جعل احتمالية فوز ترامب بولاية ثانية-بالنسبة الى شركائه في المنطقة- مكافئة تقريباً للعكس!

فراغ وارتجال

وعلى الرغم من سيادة التفاؤل في إيجاد بوصلة أميركية ودور وظيفي للقاهرة منذ العام 2017، بسبب ما وصفه مراقبون ووسائل إعلامية حينها بـ”الكمياء” بين عبد الفتاح السيسي ودونالد ترامب، وتفهم الرجلين لبعضهما البعض، ناهيك عن الصفات الشخصية والعقلية المشتركة، إلا أن متغيرات المشهد الإقليمي والدولي وموقع مصر في خريطة السياسات الأميركية التي تمر بمرحلة تحولات كبرى لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية، تتعدى مسألة القبول الشخصي لكل من رئيسي البلدين تجاه الأخر، والتي لا تمثل إلا محفزاً ذاتياً ثانوياً بجوار عشرات العوامل الموضوعية المتعلقة بالعلاقات المصرية-الأميركية وسبل تطويرها في المستقبل. 

الأهم مما سبق هو تمحور السياسة الخارجية لترامب حول أمرين أساسيين: التنصل من مشاكل بلاده الداخلية وتحميلها للخارج المتواطئ مع منافسيه في الداخل، والثاني إرضاء قاعدته الانتخابية ورموز إدارته وشبكة تحالفاته مع تيارات أقصى اليمين في الحزب الجمهوري، والذين بطبيعة الحال لا يهتمون بالشأن الليبي أو سد النهضة إذا عرفوا أصلاً بوجودهم

هذا الأمر جعل السنوات القليلة الماضية بمثابة فترة فراغ انتقالية أعقبت سنوات طويلة من العوائق التي شهدتها العلاقات الاستراتيجية بين البلدين منذ مطلع الألفية الجديدة وحتى نهاية عهد أوباما، والتي ركزت على ضرورة إعادة ضبط العلاقات المصرية-الأميركية على مستوى ثنائي خاصة بعد التغيرات التي شهدتها مصر والمنطقة منذ العام 2011، وكذلك على مستوى فاعلية السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وموقع القاهرة فيها، على ضوء الفراغ الناتج عن انكماش الدور الأميركي وتصارع حلفاء واشنطن في ما بينهم لسد هذا الفراغ، واكتفاء القاهرة بتقليص دورها الإقليمي إلى الحدود الدُنيا لصالح “حلفائها” الإقليميين انتظاراً لدور وظيفي جديد تمنحه واشنطن لها، حتى وإن كان ذلك على حساب مقدرات أمنها سواء في ليبيا أو أثيوبيا، والتي كانت خارج أجندة اهتمامات وأولويات كل من واشنطن وحلفاء مصر حتى مطلع العام الجاري.

يضاف إلى المشهد المعقد السابق خصوصية عام الانتخابات الأميركية، وضعف قدرة الإدارات الأميركية المتعاقبة على اتخاذ قرارات خارجية حاسمة في العام الأخير من عهدها، ودخولها في مرحلة “البطة العرجاء“، والتي تعني تقيّد قدرة ساكن البيت الأبيض على رسم استراتيجيات مستقبلية تتجاوز فترة إدارته الرئاسية، وخاصة إذا كان الحديث يدور عن إدارة يرأسها شخص مثير للاستقطاب والشقاق مثل ترامب، لا يهتم بما يحدث في الخارج إلا إذا كان سيصب في مصلحته داخلياً، وهو ما جعل عام “البطة العرجاء” هو العام الأخير من ولايته الأولى وليست الثانية كالمعتاد. وبالطبع فإن كلاً من الشأن الليبي وتطوراته وأزمة مياه النيل وسد النهضة وحقوق الإنسان وغيرها خارج مدى اهتماماته في عام الانتخابات هذا.

واقع جيوستراتيجي جديد منتظر

هنا تأتي تطورات الملف الليبي كأبرز مثال على ما سبق، فنجد أنه -وبنظرة سريعة إلى الوراء – بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي، تراوحت رؤية واشنطن تجاه ليبيا بصفتها دولة منهارة تخضع لأطر سياسية واجتماعية ما دون الدولة، بين إيلاء لملمة الفوضى هناك لوكلائها وخاصة في عهد إدارة باراك أوباما، وبين عدم إدراجها من الأساس على أجندة أولويات السياسة الخارجية الأميركية، وتحديداً منذ أن دخل ترامب البيت الأبيض. إلا أن المدى الأول الذي اعتمدته إدارة أوباما، ساهم في تضخيم الملف الليبي من صراع أهلي مدعوم من قوى إقليمية إلى حروب بالوكالة استمرت ما يناهز ثمانية أعوام، ما لبثت أن تطورت إلى صراع إقليمي ودولي تشتبك فيه الدواعي الأمنية والاقتصادية في المستقبل المنظور، وذلك بدافع غاز المتوسط التي أضحت ليبيا بفضله ورقة هامة لكل اللاعبين الدوليين والإقليميين المهتمين بهذا الغاز، الذي بات يشكل واقعاً جيوستراتيجياً جديداً لا تستطيع إدارة ترامب غض البصر عنه، ناهيك عن المؤسسات الأميركية الرسمية وعلى رأسها البنتاغون. 

تراوح الموقف الأميركي من صراعات المنطقة بين ابقائها خارج أولويات السياسة الخارجية، وبين رسم خطوط عريضة لأفقها بما يحول دون تفرد قوى بعينها بالملف الليبي

هنا تراوح الموقف الأميركي بخصوص صراعات المنطقة التي لا تشتبك فيها إسرائيل وعلى رأسها الصراع في ليبيا، بين ابقائها خارج أولويات إدارة ترامب الخارجية، وما بين رسم خطوط عريضة لأفقها تحول دون تفرد قوى بعينها بالملف الليبي سواء من بين حلفاء واشنطن من الدول العربية أو القوى الأوروبية، وأخيراً والأهم الحيلولة دون توسيع نفوذ موسكو أو العواصم الأوروبية هناك. والأمر الأخير هو ما اعتمده حلفاء واشنطن وتحديداً القاهرة وأبوظبي كمناورة ضغط على إدارة ترامب أو المؤسسات الأميركية للانخراط أكثر في الملف الليبي، والذي توقف عند حدود مراقبة الدور الروسي وأمن الملاحة جنوب المتوسط.

تداعيات نمط سياسات ترامب الخارجية على القاهرة تمثل في تقزيم الملف الليبي على أنه مجرد نقطة تسجل على إدارة أوباما وكذلك منافسته في الانتخابات، هيلاري كلينتون، وخاصة مع حادثة مقتل السفير الأميركي هناك عام 2012. لكن من دون أن يطور هذا إلى رؤية أميركية تجاه ليبيا، فتُرك الأمر للأطراف الإقليمية المتصارعة على وكالة المصالح الأميركية، والتي مثلت الأراضي الليبية أحد مسارح تصفية الصراعات فيما بينها، مع الأخذ في الاعتبار أن كل طرف وخاصة القاهرة كان ولا يزال يسعى في مأسسة وتجذير موقفه السياسي والميداني طبقاً لمرجعية أميركية غائبة.

هنا نجد أن المنتظر من إدارة ترامب خلال سنوات ولايته الأولى كان تحديد هذه المرجعية، سواء بدافع من دولة المؤسسات أو من خلال إلحاح شركاء ترامب من حكام دول المنطقة المتنازعين على محاصصة ملء الفراغ الأميركي، والتي شكلت ليبيا جزءاً منها. ولكن مع عامل اكتشافات الغاز ومحاصصات شرق المتوسط، وطموح بعض دول المنطقة للعب دول غير “قُطري” يتجاوز جغرافيا الهلال الخصيب والقرن الأفريقي إلى جنوب المتوسط وشمال أفريقيا، فإن هذا الجزء أصبح، ومع تطور الأوضاع في ليبيا منذ أواخر العام الماضي، هو المهيمن على استشراف مدى صراعات الواقع الجيوستراتيجي الجديد.

وبخلاف البحث عن مرجعية أميركية غائبة طيلة أربع سنوات عن مجريات الصراع في ليبيا، فإن تطور الموقف من صراع أهلي مدعوم إقليماً إلى حرب بالوكالة، ومن ثم إلى صراع إقليمي له أبعاد دولية، فرض على واشنطن أن تكون طرفاً مباشراً، ليس فقط لأن الصراع يدور بين وكلاء مصالحها في الشرق الأوسط، بل لأنه، في مرحلته الجديدة منذ العام الماضي٫ شكل نواة لمتغير في موازين القوى في المتوسط وشمال أفريقيا، وهو الأمر الذي لم يأت على قاعدة رسم خطوط النفوذ بين واشنطن وموسكو في مختلف بقاع الأرض فحسب، ولكن لضبط الخلافات بين حلفاء واشنطن في المنطقة بالأساس. وبالتالي ومع الأخذ في الاعتبار عقلية ومنهجية ترامب، ونتائج الانتخابات وما قد يتطور إليه الاستقطاب الداخلي في الولايات المتحدة، فإن هؤلاء الحلفاء عليهم انتظار صفقة أميركية تقر واقعاً قيد التغير حالياً في جنوب المتوسط والمنطقة بشكل عام، دون أي حسم يذكر  إلى أن يتبين من سيكون ساكن البيت الأبيض في العام القادم. 

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free