الحربُ على جنوب لبنان.. الأرضُ بوصفها سلاحًا

لم تعد الحرب على لبنان، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، قابلة للاختزال في معادلة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وحزب الله. فالمشهد، بعد اتساع التدمير والنزوح، وانتقال الملف إلى جولات تفاوضية في واشنطن، وظهور مسار أمني تُيسّره الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، يكشف أننا أمام طور جديد من الصراع والتفاوض يسيران في خطين متوازيين. وفي هذا الطور، يصبح الميدان الجغرافي عنصرًا حاسمًا في إعادة ترتيب الأرض والديموغرافيا والسيادة، بل وربما مستقبل لبنان وبنية نظامه السياسي.

المتباكون على الشهداء.. مرثيّة لوطن بلا وطنية

في ظل هذا المناخ الملبّد بالموت والدمار والنزوح والانقسام، تتكاثر السرديات التي تحاول تفسير الحرب الإسرائيلية على لبنان أو تحميل مسؤولياتها. ولعل أخرها تلك التي تنزع الاحتلال من المشهد، وتُحوّل المأساة إلى خلاف داخلي لبناني، كأن إسرائيل ليست موجودة أصلًا، وكأن الجنوب احترق بفعل المقاومة لا بفعل آلة الحرب الإسرائيلية. هنا تحديدًا يصبح النقاش أبعد من السياسة اليومية، وأقرب إلى سؤال التاريخ نفسه: كيف تبدأ الأوطان بخسارة ذاكرتها قبل أن تخسر أرضها؟

من هرمز إلى بكين.. إدارة الصراع لا حسمه!

انتهت القمة الصينية ـ الأميركية على أصوات الحرب مرة، وعلى أنغام السلام مرة أخرى. إنّها قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ أو قمة الثنائية القطبية الجديدة التي صارت سمة النظام الدولي بديلاً للأحادية القطبية التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 35 عاماً.

«قبل أن تنطفئ الذاكرة» لطنوس شلهوب.. بلدٌ يستهلك التجارب

يأتي كتاب طنوس شلهوب «قبل أنْ تنطفئ الذاكرة» وكأنه لا يكتفي بفتح دفاتر العمر دفعة واحدة، بل يضع القارئ منذ الصفحات الأولى أمام سؤالٍ خفيّ: ماذا نفعل بذاكرةٍ تزداد ثقلاً كلما تقدّم بنا الزمن؟ الذاكرة هنا ليست صندوقاً للحنين، بل مادة قابلة للانفجار؛ تتضخم “لكثرة ما تحتشد بالأحداث والروايات وبالأخبار”، حتى تكاد تصير عضواً زائداً في الجسد، أو مطبخاً قد يحترق كله بقارورة غاز، أو روحاً تنفجر بخبرٍ يوحشها. لذلك يبدو العنوان مثل تحذيرٍ مبكر، ليس الخطر أنْ ننساها وحدنا، بل أنْ تنطفئ وهي تحمل معها معنى حياةٍ كاملة، وأنْ يُترك ما عاشه صاحبها – وما عاشه جيله – بلا شاهدٍ ولا أثر.

الوحدة الوطنية في لبنان.. تحدّيات وعقبات

بلغنا في لبنان أدنى دَرَكٍ. الحقيقة هنا جارفة وجارحة. أصبحنا نخشى الحديث عن الوَحدة الوطنية. كدنا نصل إلى شبهِ يقينٍ بأنها شبهُ مستحيلة. تلك هي الكارثة التي لا يعترف بها، ويعلن عنها إلَّا قليلون. وتلك هي التي يجب أن تكون محور حياتنا كي لا تتحوَّل إلى عبارة جوفاء، وقالبٍ لفظيٍّ مَيْتٍ، وشعار اِستلابيٍّ يُستدعى للاستهلاكِ في المناسبات والتصريحات. كلمات مُحنَّطة أمستْ تُستخدَمُ للتكاذُبِ الطائفي المتبادل، ولسدِّ فراغٍ سياسيٍّ وجوديٍّ وإنسانيّ.

ماذا عن عالمٍ لم تعد أمريكا تقوده وحدها؟

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع الدخول في أوج الحرب الباردة، كانت النخبة الأمريكية ترى نفسها قائدةً للعالم الحر في صراعه مع المعسكر الشرقي. وعقب انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تشكّلت السياسة الخارجية الأمريكية على أساس افتراض غير مُعلن مفاده أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة بلا منازع، وأن من حقها ــ بل من واجبها ــ إدارة النظام الدولي، وضبط إيقاعه، والتدخل عسكريًّا متى رأت أن مصالحها أو القيم الليبرالية مهددة. غير أن التحولات (الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية) خلال العقود الثلاثة الماضية، إضافةً إلى الإرهاق الداخلي من «الحروب الأبدية في الشرق الأوسط»، دفعت صُنّاع القرار في واشنطن إلى مراجعة عميقة لهذه الفرضيات.

“فورين أفيرز”: أميركا تفقد نفوذها على الصين

الولايات المتحدة فقدت جزءاً مهماً من قدرتها على التأثير في الصين أو احتواء صعودها سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً. وسياسات الرئيس دونالد ترامب، بما في ذلك الحروب التجارية والنزعة الانعزالية والضغط على الحلفاء، قد يجعل هذا التراجع طويل الأمد. في المقابل، نجحت الصين، بقيادة شي جينبينغ، في استثمار هذه التحولات لتعزيز نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي، وترسيخ موقعها كقوة دولية صاعدة أكثر قدرة على فرض شروطها. إن التفاعل بين سياسات ترامب وطموحات شي، يطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل قدرة واشنطن على إدارة النظام الدولي، في مقابل صعود بكين قد يجعل القرن المقبل أكثر ميلاً لصالحها.

عندما استحق “الفتى” طلال سلمان لقب “الأستاذ”

إنقسم اللبنانيون في موقفهم من دولة الوحدة (بين مصر وسوريا)، شأنهم في مواجهة أية قضية كبرى: عاد بعضهم إلى «انعزاليتهم»، وقد انضم الآن «الشيوعيون» إلى معسكر «الانعزاليين القدامى» وفيه الكتائبيون ومن ناصرهم، والشمعونيون وفيهم وجوه إسلامية معروفة، ومن عرفوا دائماً بأنهم من «جماعة السعودية»، ومعهم «الأخوان المسلمون» ومن يناصرهم في لبنان وفلسطين اضافة إلى «جماعتهم» في سوريا.

أوروبّا والضفة الجنوبية: قلق الجغرافيا واضطراب السياسة

أوروبّا والضفة الجنوبية: قلق الجغرافيا واضطراب السياسة

عوامل الجغرافيا والتاريخ، ومعهما الاقتصاد والسياسة، أحدثت مع مرور الزمن ترابطًا وثيقًا بين ضفتي المتوسط، العربية والأوروبية، وإن بدرجات متفاوتة وفي مجالات مختلفة. وقد أخذ هذا التعاون، في كثير من الحالات، طابعًا مؤسساتيًا متعدد الأطراف وبصيغ متنوعة. ومن هنا، يدفعنا الحديث عن حاضر هذه العلاقات إلى تسجيل الملاحظات الآتية:
قمة بكين.. وتدشين الثنائية القطبية الجديدة

قمة بكين.. وتدشين الثنائية القطبية الجديدة

لم يعد ممكنًا النظر إلى الصين كقوة عظمى محتملة. إنها الآن فعلًا قوة عظمى بقوة التراكم في المال والسلاح والتقنيات الحديثة.. الأهمية الحقيقية للقمة الأميركية ــ الصينية في بكين أنها دشّنت اعترافًا أميركيًا بالثنائية القطبية الجديدة. …
حربُ إسرائيل على لبنان اليوم في أرشيف “السفير”.. بالأمس!

حربُ إسرائيل على لبنان اليوم في أرشيف “السفير”.. بالأمس!

يواجه التحليل السياسي معضلةً كبيرةً في الاستشراف، حتى فيما يتعلّق بالمستقبل القريب، ويعود ذلك إلى تسارع التطورات وعدم تميّز عملية صنع القرار بالعقلانية في أحيانٍ كثيرة. وبالتالي، من الصعب أن نجد محللًا موضوعيًا قادرًا على معرفة مستقبل الحرب الأميركية/الإسرائيلية ـ الإيرانية ومآلاتها في الأيام المقبلة؛ فتجدّد الحرب وارد، وتجمّد الصراع وارد، والتوصّل إلى اتفاق إطاري أو شامل أيضًا وارد. والحال هكذا، فإن قراءة الماضي ربما تفيد في إنارة بعض معالم المستقبل، ليس من باب أن التاريخ يعيد نفسه، لكن من باب أن التاريخ فيه تجارب وخبرات يمكن استقاء الدروس منها، والقاعدة تقول إن من الصعب أن تسلك الطريق نفسها لتصل إلى جهة مختلفة. …
لا حتميّات في السياسة.. أوهام الهزيمة والانتصار!

لا حتميّات في السياسة.. أوهام الهزيمة والانتصار!

حلّل كارل ماركس الديناميات التي يغتني بها أرباب العمل من عمل العمال، فتنبّأ أن هذا الاستغلال سيولد، حتمًا، ثورة المستغَلين بوجه المستغِلين. استنتاج منطقي لأول وهلة، إلا أن معظم العمال لم يثوروا خلال المائة عام الماضية ولا يثورون اليوم. حتى إن ماركس توقّع أن تتجه المجتمعات الأوروبية ذات نسبة العمال الأعلى، كألمانيا والمملكة المتحدة، نحو الاشتراكية. لكنها اتجهت إلى الفاشية، فيما قامت الثورة الاشتراكية في المجتمع الروسي ذي نسبة العمال المنخفضة. …
في اللا جَدوى

في اللا جَدوى

في إحدى المناسبات السَّعيدة، ارتفع الغناءُ بين جُدران القاعة الرَّحبة؛ فكاد يصمُّ أسماعَ الحاضرين. تعالت الشكوى من هنا وهناك، طلب بعضُ الناس خفضَ الصَّوت وانتظر النتيجة؛ لكن شيئًا لم يتبدل. مرةً واثنتين والمَوقف على حاله؛ إلى أن انفجرَ أحد المَدعويين في مدير القاعة وأشاح بيده: “هو أنا بادَّن في مالطا”؟ …
إسرائيل والحرب المفتوحة: حدود القوة وعجز الوساطة الأميركية

إسرائيل والحرب المفتوحة: حدود القوة وعجز الوساطة الأميركية

لا يمكن فهم الحروب المتواصلة في الشرق الأوسط بوصفها نزاعات عابرة أو جولات عسكرية منفصلة عن سياقها التاريخي، لأن المنطقة تعيش منذ انهيار السلطنة العثمانية داخل أزمة بنيوية تتعلق بمعنى الدولة والسيادة والحدود وطبيعة النظام الإقليمي نفسه. …