يبدو أن إسرائيل كررت المحاولة نفسها مع بايدن، وقوبلت بالرفض أيضًا، فلم تقم بالهجوم بمفردها، ولم تنجح إلا مع ترامب، الذي لا يستشير أحدًا، كما أن المحيطين به في ولايته الثانية لا يسمعونه إلا ما يود أن يسمعه.
***
وهكذا نجح جاريد كوشنر، صهر ترامب اليهودي ومهندس الاتفاقيات الإبراهيمية، في إقناع ترامب بأن الوقت مناسب الآن لتحقيق الأهداف المرجوة، وأن إيران في أضعف حالاتها بعد أن فقدت سوريا، وبالتالي انقطع خط الإمداد بينها وبين أهم أذرعها في المنطقة، وهو حزب الله. كما أن العقوبات الاقتصادية قد أنهكتها، وزيّن له نتنياهو الأمر وصوّره على أن النظام الإيراني أصبح هشًا وضعيفًا بعد المظاهرات التي عمّت المدن الإيرانية ضده، والتي شارك فيها لأول مرة ما يُعرف في إيران بـ«تجار البازار»، الذين كانوا من أهم الفئات المؤيدة للنظام ويشكلون عصب التجارة الداخلية. كما نجح نتنياهو في إقناع ترامب بأن العملية لن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام، وأنه يتعهد بالقضاء على رأس النظام وكبار معاونيه في اليوم الأول من الحرب.
***
وهكذا «انجرّ» ترامب إلى خطط نتنياهو التي رفضها الرؤساء السابقون، بالرغم من معارضة غالبية الشعب الأمريكي لهذه الحرب وفقًا لاستطلاعات الرأي العام، وبالرغم من وعوده الانتخابية التي انتُخب على أساسها، وأبرزها:
• أنه سينهي تلك الحروب السخيفة، خاصة في الشرق الأوسط، وأنه لن يبدأ أي حرب جديدة.
• أنه سيُعلي مبدأ «أمريكا أولًا».
• أنه سيعمل على خفض تكاليف المعيشة ورفع القدرات الاقتصادية لعامة الشعب.
***
وإذا بالأيام الثلاثة الموعودة تمر دون استسلام إيران، وإذا بإيران توسّع نطاق العمليات لتصيب ما تراه مصالح أمريكية في دول الخليج، وإذا بأسعار البترول تتجاوز مائة دولار للبرميل، وإذا بسعر غالون البنزين يرتفع بالنسبة للمواطن الأمريكي بمقدار دولار للغالون في الأسبوع الأول من الحرب، وإذا بإيران تعلن أن مضيق هرمز، الذي يمر منه خُمس احتياج العالم من الطاقة (النفط والغاز)، مغلق لدول الأعداء وحلفائها، وأن على جميع الدول الأخرى الراغبة في استخدام المضيق أن تطلب إذنًا من إيران، وأن البرلمان الإيراني سيبحث فرض رسوم على مرور السفن المسموح لها. وإذا أيام الحرب تتوالى حتى تصل إلى بداية الأسبوع الرابع، وإذا وزارة الحرب الأمريكية تطلب زيادة في الميزانية قدرها 200 مليار دولار، وإذا ارتفعت نسبة المعارضة للحرب، وفقًا لاستطلاعات الرأي العام، من 47% في 16 آذار/مارس إلى 60% في 22 آذار/مارس (Emerson College & CBS News).
***
إذن، استيقظ ترامب على موقف وجد نفسه فيه في ورطة شديدة، وهو الذي كان يظن أن إيران، بمجرد حشد الأساطيل، ستستسلم قبل بدء الحرب. وقد صرّح بذلك ستيف ويتكوف، الرجل المقرب جدًا من ترامب والذي كان يقود المفاوضات مع إيران، حيث قال نصًا: «إن الرئيس مندهش لأن إيران لم تستسلم حتى الآن»، وذلك قبل أن تُطلق رصاصة واحدة في هذه الحرب.
وتزداد هذه الورطة فداحة إذا أخذنا في الاعتبار أننا في عام انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في الخريف المقبل، فماذا يفعل ترامب؟
***
لقد لجأ ترامب إلى ورقة «التهويش» التي يجيدها، فأصدر إنذارًا موقوتًا لمدة 48 ساعة، طالبًا من إيران فتح مضيق هرمز، وإلا سيقوم بتدمير منشآت الطاقة وتوليد الكهرباء في جميع أنحاء إيران، بدءًا بأكبرها، وهدد باحتلال جزيرة خرج، التي تضم 90% من المنشآت البترولية الإيرانية، وقام بالفعل بإرسال وحدات من مشاة الأسطول لهذا الغرض ثم أعطاها مهلة عشرة أيام. لكن إيران لم تهلع ولم تطلب التفاوض، بل على العكس لجأت إلى تهديد مضاد مفاده أنها ستستهدف منشآت البترول في الخليج.
***
كانت مهلة إنذار ترامب الأولى تنتهي مساء الاثنين 23 آذار/مارس، وفي صباح ذلك اليوم أصدر بيانًا أعلن فيه مد المهلة لخمسة أيام إضافية، مبررًا ذلك ببدء محادثات «جيدة جدًا وبنّاءة» مع إيران تهدف إلى إيجاد حل دائم وكامل للأعمال العدائية.
والغريب أن إيران نفت وجود أي محادثات، سواء مباشرة أو غير مباشرة، مع الولايات المتحدة، وأعلنت أنها تلقت فقط طلبًا أمريكيًا لبدء مباحثات مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وأنها تدرس هذا الطلب. أي إن إيران لم تمنح ترامب حتى ورقة حفظ ماء الوجه.
***
والتفسير المتداول هو أن مصر وتركيا وباكستان قامت بجهود دبلوماسية مع ترامب أدت إلى هذا التراجع، الذي كان له وقع الصدمة في إسرائيل، التي كانت تدّعي أنها حققت كل الأهداف، لكنها مضطرة للاستمرار لأن قرار الحرب بيد ترامب.
وفي الواقع، لا تريد إسرائيل إيقاف الحرب ولا أي اتفاق مع إيران، لأن هدفها الحقيقي هو تحويل إيران إلى دولة فاشلة تتنازعها حروب طائفية بين القوميات المختلفة (العرب، الأذريون، الأكراد…). كما كانت تراهن على تنفيذ ترامب لإنذاره حتى ترد إيران بقصف منشآت البترول في الخليج، فتُضطر دول الخليج إلى الدخول في الحرب.
***
ترامب المغرور لا يعرف شيئًا عن إيران ولا عن عقيدة الاستشهاد، كما أنه لا يدرك أن أفعاله قد ساهمت في إضعاف التيار المعتدل داخل النظام، وصعود الأكثر تشددًا، وعلى رأسهم المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، ابن المرشد الذي قُتل في الحرب. ويُعد مجتبى أكثر تطرفًا من أبيه، كما أن لديه دافعًا شخصيًا قويًا للانتقام، بعد أن فقد والده ووالدته وزوجته وابنته في الضربات الأولى للحرب.
***
إذن، ماذا بعد؟
من المتوقع أن تنجح الوساطة المصرية-التركية-الباكستانية في إيقاف القتال من جانب أمريكا وبدء محادثات طويلة وبطيئة. أما إسرائيل فلن تستطيع الاستمرار بمفردها، وقد تكتفي بمواصلة عملياتها ضد لبنان، سعيًا لتحقيق هدفها المعلن بالسيطرة على منطقة الجنوب حتى نهر الليطاني، الذي تطمح أن يكون حدها مع لبنان.
ودمعٌ لا يُكفكف يا بلادنا العربية.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
