من يملك حق تعريف النصر؟ المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الصفقة والحرب

ليست أزمة التفاوض بين واشنطن وطهران أزمة بنود تقنية فحسب. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بعدد أجهزة الطرد المركزي، ولا بنسبة تخصيب اليورانيوم، ولا بجدول رفع العقوبات. هذه كلها تفاصيل مهمة، لكنها ليست العقدة الكبرى. العقدة الحقيقية أن الأطراف لا تختلف فقط على شروط الاتفاق، بل تختلف قبل ذلك على معنى النصر نفسه.

أميركا ما بعد الهيمنة: سقوط «إجماع واشنطن»

عقب انتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، واعتقاد النخبة الأميركية بانتصار نموذجها (السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي)، هيمن ما أصبح يُعرف باسم «إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، وهو الإيمان المطلق بدعم العولمة الاقتصادية والديموقراطية السياسية، استنادًا إلى هيكل أمني عسكري قوي لدى صانعي القرار الأميركي. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديموقراطيون في عهد الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون في عهد رونالد ريغان وجورج بوش (الأب والابن)، من منطلق هيمنة القطب الأميركي الأوحد على النظام العالمي.

الإمارات خارج «أوبك».. لماذا قرّرت أبو ظبي كسر القيد النفطي؟

حين أُعلن في أبو ظبي أن دولة الإمارات العربية المتحدة ستغادر منظمة “أوبك” بعد نحو ستة عقود من العضوية، لم يكن الخبر مجرد تطور نفطي عابر في سوق اعتاد المفاجآت، بل بدا أشبه بإعلان سياسي ثقيل، يحمل في داخله ما هو أكبر بكثير من مسألة البراميل والأسعار. كان الأمر أقرب إلى لحظة فك ارتباط تاريخية بين دولة صاعدة وطموحها المتسارع، وبين منظمة بُنيت على منطق مختلف، في زمن مختلف، وبحسابات لم تعد كلها صالحة لعصر جديد.

حين يُصبح الدفاع تهديدًا.. صراع العرب وإيران على التعريف قبل النفوذ

لا تتحرك إيران والدول العربية ضمن نظام إقليمي مشترك، بل داخل عالمين متوازيين من التصورات والمفاهيم. كل طرف يمتلك لغة مفاهيمية خاصة به، تُحدّد ما هو الإقليم، وما الذي يُعد تهديدًا، وما الذي يعنيه الأمن أو السيادة. بناءً على ذلك، نحن أمام اختلاف في تعريف المصالح نفسها، وهذا ما يُفسّر كيف يمكن للفعل ذاته أن يُقرأ بطرق متناقضة تمامًا: ما تعتبره إيران إجراءً دفاعيًا مشروعًا، تراه الدول العربية تهديدًا لبنية النظام الإقليمي، والعكس صحيح في العديد من الحالات.

السياسي الاستعراضي.. كاريزما الاختلاف

في زمنٍ تتقدّم فيه الصورة على الفكرة، يظهر نمطٌ قياديّ يشتغل على الحضور بوصفه مركز السلطة، ويحوّل السياسة إلى مشهدٍ دائم التوهّج. هذا السياسي الاستعراضي ينسج تأثيره من القدرة على لفت الانتباه، من صناعة لحظةٍ صادمة تعيد ترتيب النقاش العام حوله. هنا تتشكّل شخصية تجمع عقلًا يحسب مسارات القوة ومهرّجًا يتقن إثارة الدهشة، فيتماهى القرار مع العرض، وتتحوّل اللغة إلى أداة اقتحامٍ نفسيّ قبل أن تكون وسيلة إقناع.

هندسة الفراغ العمراني في جنوب لبنان.. جريمة ضد الإنسانية

تُظهر الحروب الإسرائيلية المتعاقبة على لبنان وجنوبه أنّ التهجير والتدمير لم يكونا نتيجةً جانبيةً للعمليات العسكرية، وإنما جزءٌ من هندسة الحروب الإسرائيلية المتكرّرة. المحطات كثيرة ولكن أفدحها ما شهدناه بعد اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وما نشهده منذ سريان هدنة 17 نيسان/أبريل 2026. هناك نحو 100 قرية لبنانية، بينها حوالي خمسين قرية ومزرعة ضمن ما يسمى “الخط الأصفر” يتم تجريفها وتدميرها بالكامل مثل بنت جبيل وعيتا الشعب والخيام والطيبة وميس الجبل ورشاف والبياضة ومحيبيب ومارون ويارون وكفركلا وعديسة وعيترون وعيناتا وبليدا ومركبا ورب ثلاثين وغيرها.

لبنان: وقف إطلاق نار.. بلا وقف ولا نار

يُعتبر قرار وقف إطلاق النار الحالي في لبنان أغرب قرار وقف إطلاق نار في العالم. إنّه قرار لم يصدر عن هيئة مثل مجلس الأمن، كما حصل في العام 2006 (القرار 1701)، أو عن حكومات مثل قرار وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 الصادر عن حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. بالمقابل، ثمة مذكرة لقيطة صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية لا أمّ ولا أباَ لها حتى الآن.

عشرون عاماً من الحب.. ولبنان ينهار من حولنا

عشرون عاماً من الحب.. ولبنان ينهار من حولنا

تزوّجنا في عيد العمال، وعشنا بعدها بين الحروب والانهيارات والخذلان والنجاة.. وبقي البيت هو الوطن الوحيد الذي لم يسقط. …
في معركة الوعي.. ما هو الفرق بين الصهيوني والمتصهين؟

في معركة الوعي.. ما هو الفرق بين الصهيوني والمتصهين؟

تكتسب ظاهرة “المتصهين” معناها الأعمق: لا تتماهى فقط مع مشروع سياسي، بل مع بنية فكرية قد لا تعترف بالمتصهين إلا بقدر ما يؤدي وظيفة تخدم التصور القائم على التفوق والهيمنة والازدراء والاخضاع، وهذا ما يجعل حضوره جزءاً من آلية أوسع لإعادة إنتاج الهيمنة، لا مجرد تعبير عن موقف فردي. …
الطائف يُوحّد لبنان ويحسم هويته.. هل يفعل التفاوض المباشر عكس ذلك؟

الطائف يُوحّد لبنان ويحسم هويته.. هل يفعل التفاوض المباشر عكس ذلك؟

لبنان منقسمٌ، وهذا ليس سرًا؛ فأن يُنادي نصف اللبنانيين بالمقاومة حفاظًا على الوطن والسيادة، وأن يرد النصف الآخر مدافعًا عن الدولة والسيادة وحصرية السلاح، هذا ليس بأمر جديد على بلد يفتقد للمناعة الوطنية منذ تأسيسه في العام 1920 حتى يومنا هذا. …
من «المناطق الآمنة» إلى «إنهاء العداء»: تحوّل المفاهيم أم إعادة صياغة الصراع؟

من «المناطق الآمنة» إلى «إنهاء العداء»: تحوّل المفاهيم أم إعادة صياغة الصراع؟

لم يعد النقاش حول «المناطق الآمنة» محصورًا بإطار إنساني أو أمني ضيّق، بل بات يتقاطع مع تحوّلات أعمق تمسّ تعريف الحرب والسلام، حدود السيادة، وطبيعة النظام الإقليمي نفسه. فالمفهوم الذي وُلد لحماية المدنيين، تحوّل تدريجيًا إلى أداة لإدارة الصراع، وإعادة رسم الجغرافيا السياسية. في هذا السياق، يتقاطع طرح إسرائيل لإنشاء مناطق آمنة، خصوصًا في جنوب لبنان، مع مسارٍ موازٍ أكثر حساسية: انتقال بعض الخطاب السياسي في لبنان من مرجعية «اتفاقية الهدنة» إلى تعبير «إنهاء حال العداء». وهذا التحوّل، وإن بدا لغويًا، يحمل في طياته دلالات سياسية وقانونية عميقة. …
آمال خليل.. في رثاءِ من لا تُرثى

آمال خليل.. في رثاءِ من لا تُرثى

كنتُ أعرفها، نصاً وإسماً وصورة، منذ العام 2005، عندما قرأتُ أولى مساهماتها في “شباب السفير”. نص شبابي جنوبي يكتب بحب وصدق وبلغة نقدية حريصة. …
آمال خليل ترحل.. لكنها تترك لنا الضوء

آمال خليل ترحل.. لكنها تترك لنا الضوء

مضى الوقت ثقيلًا وطويلًا كالمسافة من هنا حتى جنوب الجنوب. بقينا نتابع أخبارها، ونعمل على الاطمئنان، علّ أحدهم يقول كلمة تُبرّد قلوبنا على آمال خليل ورفيقتها زينب فرج. خيّم بعض السكون عندما قيل إنه تم انتشال زينب ونُقلت إلى المستشفى مصابةً بكثير من الجروح. بقيت دقات قلوبنا تتصاعد، وكان الانتظار أصعب من هول اللحظة، بل علّمنا الزمن، وبخاصة في السنتين الأخيرتين، أنه أكثر وجعًا من الموت نفسه ربما. لم يكتفوا بمطاردتها وقتلها، بل وقفوا ليمنعوا إسعافها، لضمان أن تفارق الروح الجسد. فكان أن رحلت آمال، وتركتنا مع دمها ودموعنا، نغسل ــ ربما ــ ما تبقى من وجع الصمت القاتل …