هناك شيء يتآكل بهدوء في هواء السياسة العربية. شيء أشبه بطبقة رقيقة من الغبار تغطي العقول، حتى تصبح الفكرة خفيفة، واللغة مسطّحة، والقضية قابلة للاختزال في شعار، أو تغريدة، أو صورة مشحونة بعاطفة سريعة الاشتعال.
هناك شيء يتآكل بهدوء في هواء السياسة العربية. شيء أشبه بطبقة رقيقة من الغبار تغطي العقول، حتى تصبح الفكرة خفيفة، واللغة مسطّحة، والقضية قابلة للاختزال في شعار، أو تغريدة، أو صورة مشحونة بعاطفة سريعة الاشتعال.
لم تكن الذكرى الواحدة والعشرون لاغتيال الرئيس رفيق الحريري كسابقاتها في الأعوام الستة الماضية، ولو أن المشهد كان نفسه لجهة الحشود الشعبية قرب الضريح في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، والرئيس السابق سعد الحريري مع أفراد العائلة يقرأون الفاتحة والدمعة في عينيه، والهتافات التي رافقت المشهد كموسيقى تصويرية («بالدم بالروح نفديك يا شيخ سعد»)، وأعلام تيار المستقبل الزرقاء هي نفسها ترفرف تحت رذاذ المطر، ولكن المتغير الوحيد هو خطاب الحريري نفسه.
لم يكن الخطاب الذي ألقاه سعد الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2026 مجرد استعادة رمزية لذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، بل بدا أقرب إلى لحظة قياس سياسي دقيقة، اختبر فيها موقعه في مشهد لبناني وإقليمي متحوّل، وحدود حضوره، وطبيعة ما يمكن قوله وما يجب الإبقاء عليه في منطقة الصمت. فاللغة التي اعتمدها، بقدر ما حملت شحنة وجدانية، جاءت محسوبة بعناية، خالية من الإعلانات الصريحة، ومفتوحة على أكثر من تأويل، في انسجام مع مرحلة تتّسم بالسيولة وعدم الاستقرار في موازين القوى.
من شباط/فبراير القارس في فيينا عام 2022 إلى شباط/فبراير القارس أيضاً في جنيف 2026، ثمة مسافة من الزمن والأحداث، وما زال النقاش ذاته: اتفاق أو لا اتفاق. حرب أو لا حرب. أميركا وإسرائيل وإيران ووسطاء عديدون تتجاذبهم عقد عديدة بعناوين الملف النووي والبرنامج الصاروخي والأذرعة.. لذا، كل الاحتمالات تبقى مفتوحة.