أن تكون لبنانيّ الجذور وتعيش في لبنان وتسمع (بحرقِ أرزه) فهذا ليس سهلاً، بل هو ألمٌ شديد بكل معنى الكلمة. وبرأيي هذا الكلام يتجاوز السياسة. إنّه جرحٌ في الصميم.
أن تكون لبنانيّ الجذور وتعيش في لبنان وتسمع (بحرقِ أرزه) فهذا ليس سهلاً، بل هو ألمٌ شديد بكل معنى الكلمة. وبرأيي هذا الكلام يتجاوز السياسة. إنّه جرحٌ في الصميم.
بين احتلال الأرض واحتلال الوعي، صِلَةٌ مَخفيَّة لكنها إستراتيجيّةٌ تماماً، وخطيرةٌ تتلازم معهما. وتكاد تكون جزءاً عضويَّاً مشتركاً بينهما. هذه الصلة ينشئُها كلُّ محتلٍّ، مثلما قد تنشِئها السلطات الداخليَّة في دولةٍ ما للسيطرة على وعي الجمهور وتدجينه. التعقيدات هنا كثيرةٌ وشديدة التشابك كونُ هذه الصلة لا تظهر مباشرة للعيان. لها طابع التسلُّل اللحْظَويِّ التراكُمي. ووظيفتها أن تؤثِّر في “اللاوعي الجمْعي”، كي تصنع لاحقاً مؤثرات متمادية في “الوعي العام”، وتنتج سلوكيَّات تتواءم مع مصالح مُنظِّميها، وتخلق قابليَّةً جاهزة للانسياق وراءَ مَن ينظِّمها، فيصبح المستعمَرُ(بفتح الميم) يتبنّى خطاب المستعمِر(بكسر الميم) وسرديّتَه، وتنشأ لديه حالة “استلاب الوعي”، وفقاً لتسمية “فرانز فانون” في روايته “معذّبو الأرض” التي ناقش فيها مخاطر هذه الحالة على مستقبل الشعوب التي تواجه الاحتلال.
ليست أزمة التفاوض بين واشنطن وطهران أزمة بنود تقنية فحسب. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بعدد أجهزة الطرد المركزي، ولا بنسبة تخصيب اليورانيوم، ولا بجدول رفع العقوبات. هذه كلها تفاصيل مهمة، لكنها ليست العقدة الكبرى. العقدة الحقيقية أن الأطراف لا تختلف فقط على شروط الاتفاق، بل تختلف قبل ذلك على معنى النصر نفسه.
عقب انتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، واعتقاد النخبة الأميركية بانتصار نموذجها (السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي)، هيمن ما أصبح يُعرف باسم «إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، وهو الإيمان المطلق بدعم العولمة الاقتصادية والديموقراطية السياسية، استنادًا إلى هيكل أمني عسكري قوي لدى صانعي القرار الأميركي. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديموقراطيون في عهد الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون في عهد رونالد ريغان وجورج بوش (الأب والابن)، من منطلق هيمنة القطب الأميركي الأوحد على النظام العالمي.
حين أُعلن في أبو ظبي أن دولة الإمارات العربية المتحدة ستغادر منظمة “أوبك” بعد نحو ستة عقود من العضوية، لم يكن الخبر مجرد تطور نفطي عابر في سوق اعتاد المفاجآت، بل بدا أشبه بإعلان سياسي ثقيل، يحمل في داخله ما هو أكبر بكثير من مسألة البراميل والأسعار. كان الأمر أقرب إلى لحظة فك ارتباط تاريخية بين دولة صاعدة وطموحها المتسارع، وبين منظمة بُنيت على منطق مختلف، في زمن مختلف، وبحسابات لم تعد كلها صالحة لعصر جديد.
لا تتحرك إيران والدول العربية ضمن نظام إقليمي مشترك، بل داخل عالمين متوازيين من التصورات والمفاهيم. كل طرف يمتلك لغة مفاهيمية خاصة به، تُحدّد ما هو الإقليم، وما الذي يُعد تهديدًا، وما الذي يعنيه الأمن أو السيادة. بناءً على ذلك، نحن أمام اختلاف في تعريف المصالح نفسها، وهذا ما يُفسّر كيف يمكن للفعل ذاته أن يُقرأ بطرق متناقضة تمامًا: ما تعتبره إيران إجراءً دفاعيًا مشروعًا، تراه الدول العربية تهديدًا لبنية النظام الإقليمي، والعكس صحيح في العديد من الحالات.